تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩

الأمر والنهى

الأصل في الأمر أن يكون لطلب الفعل على سبيل الإيجاب ، كقوله تعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
( البقرة 144 ) . ولكنه يجيء لغير الإيجاب كثيرا ، فيكون مثلا للدعاء في قوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( الفاتحة 6 ) . وللتهديد في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
( فصلت 40 ) ، ألا ترى أن هذا الأمر يحمل معنى عدم الاكتراث بأعمالهم ، لأن وبالها عائد عليهم لا محالة . وللتعجيز في قوله :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ
( يونس 38 ) ، وفي هذا الأمر معنى التحدي ، ليظهر عجزهم في وضوح وجلاء . ولما كان الأثيم ولا ريب في أقصى حالات التنبه لما ينزل به من عذاب أليم ، ولما يغلى في بطنه كغلى الحميم ، كان الأمر في قوله سبحانه :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
( الدخان 49 ) ، للإهانة . ويأتي الأمر لأغراض أخرى تدرك من سياق المقام . والأصل في النهى أن يكون لطلب الكف على سبيل التحريم كما في قوله سبحانه :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
( الأنعام 151 ) . ويأتي لغير ذلك ، كالدعاء في قوله تعالى :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
( آل عمران 8 ) . ويفهم من النّهى في قوله تعالى :
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( المؤمنون 108 ) . الإهانة ومن قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( التحريم 7 ) ، اليأس من جدوى الاعتذار . ويأتي النهى في القرآن لغير ذلك .

التمني والترجى

التمني طلب حصول أمر محبوب مستحيل الوقوع أو بعيده ، والحرف الموضوع له « ليت » كما في قوله سبحانه :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
( مريم 23 ) ،
من بلاغة القرآن — صفحة 129 | احمد احمد بدوي