تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من المكتبة القرآنية — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
والمطلع على هذا التفسير يرى مبلغ ما بذله القرطبي فيه من جهد ، وقدرة على البحث ، وإلمام بأصول علوم الشريعة وفروعها من لغة وأدب وبلاغة ، ويظهر ذلك في استنباطاته للأحكام الشرعية من نصوص الآيات الكريمة ، حتى ليكاد يسد مسدّ كتب الفقه ، كذلك ما يلحظ في استشهاده بكثير من النصوص الأدبية ، من لغة العرب شعرها ونثرها . وإن كان قد اشترط على نفسه في مقدمة كتابه ما يلي : « أضرب عن كثير من قصص المفسرين ، وأخبار المؤرخين ، إلا ما لا بد منه ، ولا غنى عنه للتبيين » . وقد لاحظ مصحح الكتاب - بحق - أن القرطبي خالف منهجه هذا في بعض المواضع ، وذلك في أمثلة يذكرها ، هي نقلة عن كعب الأحبار فيما يتصل بإبليس ، وحديثه مع الحوت الذي يحمل الأرض ، وأمثال ذلك مما يتصل بالرعد ، وكلب أصحاب الكهف في لونه واسمه ، إذ يأخذ عليه مصحح الكتاب - بحق - أنه في ذلك جارى من سبقه من المفسرين الذين ينقلون عن الإسرائيليات ولا يتحرون الدقة في المعلومات الكونية ، ويلتمس له عذرا في ذلك في أنه تابع ثقافة عصره السائدة آنذاك ، وطرق المؤلفين المتبعة وقتها . ومن الحق أن نذكر لمصحح هذا التفسير ، وإن شئنا قلنا : لمحققه أحمد عبد العليم البردونى ، أن نذكر له تعليقاته وهوامشه السديدة الدقيقة المعينة على الفهم ، على الرغم من أنه لم يصدر صفحة الغلاف باسمه كما يصنع سائر المحققين في زماننا . وقد صنع القرطبي مقدمة لتفسيره تصدرت الجزء الأول ، وهي مقدمة طويلة ضافية وافية تتبين فيها بلاغة القرآن الكريم وفصاحته ، وما فيه من أحكام ومواعظ وقصص وأمثال وقص للغيب من الأخبار ثم يقول : « ولما كان كتاب الله هو الكفيل بجمع علوم الشرع الذي استقل بالسنة والفرض ، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض ورأيت أن أشتغل به مدى عمرى ، وأستفرغ فيه منّتى ( أي قوتى ) بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا ، يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل التوبيخ والضلالات وأحاديث كثيرة شاهدة لما تذكره من الأحكام ونزول