البقرة ، جعل يذبحون بدلا من قوله يسومونكم سوء العذاب ، كالقول في ذلك أنه إذا جعل يذبحون بدلا من يسومونكم سوء العذاب ، لم يحتج إلى الواو ، وإذا جعل يسومونكم سوء العذاب عبارة عن ضروب من المكروه هي غير ذبح الأبناء ، لم يكن الثاني إلا بالواو ، وفي الموضوعين يحتمل الوجهين ، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون خصصت لها الآية في سورة إبراهيم بالعطف بالواو ، وهي أنها وقعت هنا في خبر قد ضمّن خبرا متعلقا به » .
وهو يحرص في منهجه هذا على أن يرقم ما أورده من الآيات أرقاما حسب إيراده لها في كتابه ، كأن يقول : الآية الأولى أو الثانية . . إلخ حتى ينتهى من مناقشة آيات السورة ثم ينتقل إلى سورة أخرى ويبدأ في تسلسل جديد .
ويصل إلى قوله تعالى في سورة البقرة الآية رقم 126
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
، وهي الآية رقم 35 من سورة إبراهيم ، وفيها يقول عز من قائل :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً
، ويعلق على ذلك قائلا :
« للسائل أن يسأل فيقول : لم كان في هذه السورة بلد ، نكرة ، وفي سورة إبراهيم معرفة ؟ . والجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أن يقال الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، فكأنه قال اجعل هذا الوادي بلدا آمنا ، لأن اللّه تعالى حكى عنه أنه قال :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
بعد قوله : اجعل هذا الوادي بلدا ، ووجه الكلام فيه تنكير الذي هو مفعول ثان وهذا مفعول أول ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته كما أردت ومصرته كما سألت ذا أمن على من أوى إليه ، فيكون البلد على هذا عطف بيان على مذهب سيبويه ، وصفة على مذهب أبي العباس المبرد ، وآمنا مفعولا ثانيا ، فعرف حين عرف بالبلدية ، ونكر حين كان مكانا من الأمكنة غير مشهور بالتمييز عنها بخصوصية من عمارة وسكنى الناس .
والجواب الثاني أن تكون الدعوتان واقعتين بعد ما صار المكان بلدا ، وإنما طلب من الله أن يجعله آمنا ، والقائل يقول : اجعل ولدك هذا ولدا أديبا ، وهو ليس يأمره بأن يجعله ولدا لأن ذلك ليس إليه ، وإنما يأمره بتأديبه ، فكأنه قال اجعله بهذه الصفة ، وهذا كما يقول : كن رجلا موصوفا بالسخاء وليس يأمره أن يكون رجلا ،