وقد لحظ الترمذي في هذه الآية ربطا وثيقا بين صفتي الرجولية والصدق وجعل الصدق عنوان الرجولية ، وأمارة عليها ، قال رحمه اللّه : « خص الله الإنس من بين الحيوان ، ثم خص المؤمنين من بين الإنس ، ثم خص الرجال من المؤمنين ، فقال :
رِجالٌ صَدَقُوا
فحقيقة الرجولة الصدق ، ومن لم يدخل في ميادين الصدق فقد خرج من حد الرجولة » .
وقوله تعالى :
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
يقول المؤلف في شرح هذه الآية أن من قضى نحبه هو من مات شهيدا كأنس ومصعب ومن ينتظر الشهادة كطلحة وعثمان .
ومن الأخبار ما أفاد أن من قضى نحبه هو طلحة ، وكان حيّا بعد نزول الآية ، وقد روى أن طلحة - رضى اللّه عنه - ثبت مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يوم أحد ، حتى أصيبت يده فقال عليه السّلام : أوجب طلحة ، أي أوجب الجنة لنفسه ، أو أوجب أجر المجاهدين ، قال الشهاب : أوجب طلحة أي استحق الجنة استحقاقا كالواجب على اللّه بمقتضى وعده وفضله ، وأصله أوجب الجنة لنفسه على اللّه ومن كلامهم :
أوجب الرجل إذا فعل فعلا وجبت له به الجنة ، وفي الآية نوع من البديع يسميه البلاغيون التقسيم ، فالذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه قسمان : منهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وليس هناك ثالث ، قال تعالى :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
.
وانظر إلى إيجاز التعبير وروعته ، وكيف توزعت الجماعة قسمين ، يتباعدان بتباعد الوجود والعدم بين الحياة والموت ، وهي سنة اللّه في خلقه وللّه في خلقه شؤون .
وهكذا تتعدد وجوه الأسرار البياني في التعبير في سورة الأحزاب في صورة من صور الإعجاز البلاغي القرآني في كتاب اللّه العزيز .
22 - ( معجزات قلب القرآن -
هاشم محمد سعيد دفتردار المدني ) :
يقول المؤلف في مقدمة الطبعة الأولى من هذا الكتاب : « إني قصدت أن يكون