تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من المكتبة القرآنية — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
قال صاحب الكشاف ، وإنما عدل عن ذلك القرآن الكريم دفعا للإلباس لأنه لو قال : مكان : يا إبراهيم أعرض عن هذا : يا أيها النبي أعرض عنه هذا لالتبس المنادى بين إبراهيم وغيره ، وقد ذكر النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - باسمه في غير مواضع النداء لقوله تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
آل عمران ،
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
. ثم ينتقل إلى آيات السورة الكريمة حتى يصل إلى تفسير قوله تعالى :
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
، هذه الآية تصف رجالا معينين من المؤمنين ، فهي ليست في جميعهم ، وإنما هي في خلاصة منهم قال الزمخشري : « نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حربا مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا ، وهم عثمان بن عفان ، وطلحة بن عبد اللّه ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وحمزة ، ومصعب بن عمير ، وغيرهم » ، - رضى اللّه عنهم - ، وقد أخرج الترمذي وابن ماجة ، والحاكم : « من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على الأرض فلينظر إلى طلحة » وقالوا : المراد بهؤلاء الرجال غيرهم ، ويلحظ المؤلف في الإخبار عن هؤلاء الرجال بالصدق فيما عاهدوا اللّه عليه ، بعد الإخبار عن اللّه ورسوله بالصدق مباشرة إشارة رامزة إلى أن الترقي في مراشد الحق والخير يسمو بصاحبه إلى أوصاف الربوبية ، حتى يكون ربانيّا يقول للشيء كن فيكون وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . والتنكير في ( رجال ) يفيد التعظيم لهؤلاء الرجال ، وأنهم رجال أي رجال ، وأنهم قلة في كل زمان ومكان وفيه رمز إلى أنهم لا يرغبون في التعريف بأنفسهم ، والتشهير بأعمالهم ، فهم هؤلاء الجنود المجهولون الذين ينطلقون في غير صخب ولا دعاية ماضية في الخير بعزائم صارمة وأقدام راسخة ، وفي ضوء هذا تنحى الآية هؤلاء الذين يفاخرون بأعمالهم وينوهون ببلائهم من دائرة الصدق ، لأن تنويه المرء بأعماله وتفاخره ببلائه لا يكون إلا لكسب الحمد ، والثناء في الناس ، ومن فعل ذلك فقد حبط عمله ، وكذب في دينه ، لأن الصدق معناه ألا تتجه في أي أمر من الأمور إلا للّه الذي هو أعلى وأكبر من أن يكون له في عملك شريك ، وكم تعاني الحياة من هؤلاء الذين يقولون فعلنا وفعلنا وهم لا يدرون أن سمت الصادقين هو التنكير لا التعريف والبعد عن التشهير والادعاء .