والعراك على الرئاسة في هذه البيئات يذهل عن شؤون الكفر والإيمان ، فليكن محمد صادقا . وليكن كلامه وحيا . بيد أن المصلحة القبلية تقضى بكتمان أمره وانتقاص شخصه . ولذلك عاد أبو جهل يلح على الوليد : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه ! فقال الوليد : دعني أفكر . وفكر الوليد ثم أحب أن يكون منطقيّا مع نفسه فقال : هذا سحر . ولعله يقصد بالسحر ما جاءت به قوة خفية لا يعرف الناس عادة حقيقتها ، وقد سجل ذلك كله القرآن الكريم بما يؤكد كيف شهدت العرب بالفصاحة والبراعة والإعجاز للقرآن الكريم الذي جاء معجزة إلهية سماوية كبرى في كل زمان ومكان .
16 - القرآن والتفسير - د . عبد الله شحاتة
: لقد جمع القرآن الكريم العرب بعد تفرقهم وتشتتهم ، ووحّدهم ورسم لهم طريق الحياة المجيدة ، وأعطاهم مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة ، إذ إنه كشف لهم عن حقيقة أنفسهم ، ووجه العناية الفائقة إلى تهذيب النفس ، وشرع من العبادات والعادات والمعاملات ما هو كفيل بإيجاد الإنسان الفاضل ، فإذا صلحت النفس فقد صلح الإنسان ، وإذا صلح الفرد فقد صلحت الجماعة ، وصدق اللّه العظيم إذ يقول :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
. لقد غير اللّه هذه النفوس فصقلها وهذبها وجمع شتاتها وحارب أهواءها فإذا المسلمون أمة واحدة محرابها الصلاة ، وميدانها الجهاد ، وسباقها إلى الزكاة وفعل المعروف وعمل الخير ، وسياحتها حج وعمرة في سبيل اللّه ، وتحولت أهداف الإنسان المسلم من طمع وغرور إلى إيمان وعمل ، وخلق القرآن روحا جديدا بين المسلمين فإذا المودة والمحبة وإذا الإخاء والمساواة وإذا التضحية والفداء صفات المجتمع الجديد . وخلق سلوكا جديدا عماده الصلاة والصيام والصدقة وصلة الرحم وتلاوة القرآن ، وهو شفاء ورحمة للمؤمنين ، وخلق القرآن فجرا جديدا لدعوة جديدة تمتد رقعتها بين المشارق والمغارب ، وتقوم دولة الإسلام لتؤدى واجبها في نشر رسالة العلم والتعليم والإسلام في بعث الحضارة الإنسانية وترجمتها وإثرائها وتقديمها للناس في ثوب نافع جديد .