وما الناس بالناس الذين عهدتهم * وما الدار بالدار التي كنت أعرف
« 1 » .
وإتقان اللغة يستلزم معرفة الكلمات القرآنية المتشابهة التي يعز فهمها على كثير من الناس ، وحتى في عصر الازدهار اللغوي يحدثنا التاريخ أن أعرابيا توقف ذهنه في إدراك معاني بعض الكلمات القرآنية في قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
« 2 » ويتجه إلى النبي عليه السلام ليسأله عن الظلم بقوله : وأينا لم يظلم نفسه ؟ فيجيبه النبي عليه السلام بأن الظلم في الآية هو الشرك ، واستشهد عليه السلام بقوله تعالى
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
« 3 » .
وقد أصاب ابن قتيبة الحقيقة حينما قرر في كتابه « المسائل » بأن العرب لا تستوى في المعرفة بجميع ما في القرآن الكريم من الغريب والمتشابه ، بل لبعضها الفضل في ذلك على بعض ، والدليل عليه قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
« 4 » .
ويؤيد ابن قتيبة هذا المعنى بقول بعضهم : « يا رسول اللّه ، إنك لتأتينا بالكلام من كلام العرب ما نعرفه ، ونحن العرب حقا ! فقال : إن ربى علمني فتعلمت » « 5 » .
وغريب القرآن الكريم كان موضع دراسة لعلماء الإسلام عبر القرون . ألف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى كتاب « المجاز » وألف فيه ابن قتيبة كتابه : تفسير غريب القرآن ، ولأبى حيان الأندلسي كتاب : لغات القرآن ، وقد عقد ابن النديم في كتابه الفهرست بابا خاصا للمؤلفات الإسلامية التي دارت حول غريب القرآن .
وإتقان اللغة أيضا يقتضى إتقان قواعدها نحوها وصرفها ، فمن لم يكن ذا خبرة بهذه القواعد أفلتت من يده حقائق التفسير .
هامش
( 1 ) انظر في هذه المواضع ص 198 ، ص 199 من كتاب : مقدمتان في علوم القرآن .
( 2 ) الأنعام : آية 82 .
( 3 ) لقمان آية 13 ، وانظر : أثر القرآن في تطور النقد الأدبي ص 27 .
( 4 ) آل عمران : آية 7 .
( 5 ) المسائل لوحة 4 نسخة مصورة رقم 220967 مكتبة جامعة القاهرة .