لا يفهم « 1 » ، والأمير سيف الدولة ضالع مع ابن خالويه ينصره على منافسيه « 2 » ، ويستدعى عضد الدولة أبا على « 3 » ، ويفارق الشيخ الشام ، وفي ذهنه هذه الصورة التي تمثل هذه الحقبة القلقة التي تبغضه في الشام ، وأهل الشام فإن جاءته رقعة يلتمس فيها بعض أهله بذل العون ، فلا شك أن ذلك يعيد إلى ذهنه هذه الحقبة بما فيها من مكايد وآلام ، فتتراءى أمام عينيه قلقا ، وحسدا ، وسدما ، ويحاول أن ينسى ، وينطق بأنه نسي الشام ، ومن يسكن الشام .
( و ) ونصّ يدل على أن أبا على كان يكره الحروب ، ولم يتمرس بالقتال ، ذلك ما حدث به التاريخ : أنه لما خرج عضد الدولة لقتال ابن عمه عز الدولة ، بختيار بن معز الدولة ، دخل عليه أبو علي ، وقال له : « ما رأيك في صحبتنا ؟ » ، - فقال له : « أنا من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء - فخار اللّه للملك في عزيمته ، وأنجح قصده في نهضته . . . « 4 » .
ويجب أن ندخل في حسابنا عند النظر في هذا النص ، ومناقشته سن أبى على حينئذ ، فمتى خرج عضد الدولة لقتال ابن عمه ؟ وكم سن أبى على إذ ذاك ؟ التاريخ يحدثنا أن خروج عضد الدولة لقتال ابن عمه كان سنة 366 ه « 5 » ، ومعنى هذا أن أبا على كانت سنه في هذا العام ثمانية وسبعين عاما ، فما ذا يصنع هذا الشيخ الفاني في ميدان يجول فيه الموت ، وتصافع المنايا فيه النفوس ، ومن هنا يفهم جواب أبى على بأنه من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء « 6 » .
وقد رويت أخبار لأبى على تدل على أنه كان رعديدا ؛ فقد غلس أبو علي يوما إلى الصلاة في المسجد ، فقام إليه عبد اللّه بن حمود الأندلسي من مذود - كان لدابة أبى على خارج داره ، وكان عبد اللّه قد بات فيه ؛ ليدلج إليه قبل الطلبة طلبا للسبق ، والأخذ من علمه - فارتاع منه أبو علي ، وقال له : ويحك من تكون ؟ قال :
إني عبد اللّه الأندلسي ، فقال : إلى كم تتبعني ! واللّه إن على وجه الأرض أنحى منك ! « 7 » حقيقة أن الخوف في هذه الحال من الأمور المتوقعة من كل من كان
هامش
( 1 ) الحلبيات : 38 .
( 2 ) انباه الرواة : 1 / 327 .
( 3 ) طبقات النحويين : 130 .
( 4 ) معجم الأدباء 7 / 236 - 237 .
( 5 ) تاريخ المسلمين للشيخ جرجس بن العميد : 232 .
( 6 ) معجم الأدباء : 7 / 236 .
( 7 ) انباه الرواة : 9 / 119 .