أبى على الطويلة لعضد الدولة أثر في ذلك ، فقد كانت حياة ذلك الشاب خليطا من الهدى ، والمجون ، قالوا : كان إذا تنبه جدد الوضوء ، وخرج إلى مجلس الشرب فجلس ، وحضر الندماء والملهون « 1 » .
هذا ولا أرى في حديث أبي على عن الخمر في كتابه الحجة ما يدل على معاقرتها .
فقد قال في تفسير قوله تعالى :
« كانَ مِزاجُها كافُوراً »
« 2 » . المعنى أنها في طيب الرائحة ، وسطوعها ، وأرجها كأرج المسك والكافور . فأما قوله تعالى :
« كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا »
« 3 » ، فإنه يدل على لذاذة المقطع ؛ لأن الزنجبيل يحذى اللسان ، وزعموا أن ذلك من أجود الأصناف للخمر عند العرب « 4 » . .
فوصفه لذاذتها من مزج الزنجبيل الذي يحذى اللسان ، ليس معناه أنه جرب وتلذذ بما يلذذ الشاربين ، فقد احتاط الرجل بقوله وزعموا . . . الخ ، واللّه أعلم بعد ذلك بحقيقة ما كان .
( ى ) وبعد : ففي وصاته بثلث ماله لنحاة بغداد « 5 » - ما يدل على حبه لهذه الطائفة وحدبه عليها ، وبره بها ؛ مشاركة منه لأهل الصنعة ، ورغبة منه في تخفيف ما يجدون .
أمانة أبى على العلمية
ومما يتصل بالحديث عن أخلاق أبى على - تلك السمة التي تطالعك في كتبه واضحة لا تحتاج في إدراكها إلى كبير عناء ، تراها في الحجة ، والإيضاح ، كما تبدو في مسائله المختلفة ، تلك أمانته العلمية ، التي تتجلّى في توقفه فيما يرويه ، وتحرجه وتأدبه وتحريه ، ينسب المنقول شواهد ، وأقوالا ، وخطا ، ويعين المكان والكتاب ، ويذكر الحسبان والظن ، ويلقى العهدة على من روى ، ويتحامى الادعاء في إثبات ما علم ، ونفى ما لم يعلم ، فيقرر أنه لم يعلم كذا ، أو لم يسمع ، أو لم يحفظ ، ويستثبت شيوخه ليتيقن ، ويشير إلى الرأي في غير إصرار ، ويعلن أنه لا يدرى .
1 - يعزو الشعر إلى قائله أو منشده « 6 » .
هامش
( 1 ) ذيل تجارب الأمم : 41 .
( 2 ) سورة الدهر : آية ( 5 ) .
( 3 ) سورة الدهر : آية ( 17 ) .
( 4 ) الحجة : 1 / 204 مراد ملا .
( 5 ) طبقات القراء : 1 / 207 .
( 6 ) انظر مثلا لوحة 35 من البغداديات ، وقد فتحت الكتاب على سبيل الاتفاق فرأيته في هذه اللوحة ينسب إلى الفرزدق وجرير وذي الرمة وأبي زيد .