في مثل أبى على من المفاجأة ، ولكن ارتياعه على هذه الصورة ، ثم صرفه الأندلسي بما قال - دليل عندي على طبيعة الجبن المتأصلة في نفس أبى على .
وبعد : فهل يتفق هذا مع ما أورده الزبيدي عن أبي عبيدة في طبقاته : لا يكون نحوى شجاعا ؟ ! وقد عللوا ذلك بأن النحوي يفرق بين الساكن والمتحرك ، ولا يفرق بين الموت والحياة « 1 » ، وأرى أبا عبيدة مخطئا ؛ فالشجاعة أمر يتعلق بالطبيعة الموهوبة ، ولا صلة لها بالصفة المكتسبة .
ومن طبيعة الجبان الرعديد أن الظفر يستخفه ، فتراه يرقص ، أو يصفق ؛ معلنا انتصاره وفلجه ، شئ يختلف فيه عن الشجاع الصنديد الذي يتلقى النصر في ثبات واطمئنان ، وأذكر هنا خفة أبى على عندما انتصر على أكبر تلاميذ ابن الخياط ، فأخذ يصفق قائما في المسجد « 2 » .
( ك ) هذا وقد روى عن أبي على من الأخبار ما يجعله من أهل المجانة ؛ فقد كان يتعشق محمد بن طويس القصرى ، ويخصه بالطرف ، ويحرص على الإملاء عليه ، والالتفات إليه ، وبه سميت المسائل القصريات « 3 » .
ويبدو أن شيئا من ذلك كان شائعا في الدولة الإسلامية حينئذ بدليل أن الحنابلة سنة 121 قاموا ينصرون حدود اللّه ، ويمنعون الناس الرذيلة ، واعترضوا فيما يقول أبو الفداء في البيع والشراء ، وفي مشى الرجال مع الصبيان « 4 » .
وقد اتهم أبو حيان أبا على بأنه كان يشرب ، ويتخالع ، ويفارق هدى أهل العلم ، وطريقة الربانيين ، وعادة المتنسكين « 5 » ، ولا يبعد أن تكون هذه التهمة صحيحة ؛ فقد عاش أبو علي ردحا من الزمن في شيراز التي اشتهرت بنبيذها وصار يصدر إلى البلاد البعيدة « 6 » والتي يقول فيها المقدسي : رسوم شيراز على الإسلام عار ، « 7 » ثم هو تلميذ على ابن دريد ، الذي يقول عنه تلاميذه : كنا ندخل على ابن دريد ، ونستحي منه ؛ لما نرى من العيدان المعلقة ، والشراب المصفى موضوع وقد جاوز التسعين « 8 » .
وكان ابن دريد كذلك يتعلق « بالوضىء » من الغلمان « 9 » ، وربما كان لصحبة
هامش
( 1 ) طبقات الزبيدي : 119 .
( 2 ) معجم الأدباء : 7 / 235 .
( 3 ) معجم الأدباء : 18 / 207 .
( 4 ) تاريخ أبي الفداء : 1 / 87 .
( 5 ) الامتاع والمؤانسة : 1 / 132 .
( 6 ) حضارة العرب تأليف غستاف لوبون : 217 .
( 7 ) أحسن التقاسيم : 34 .
( 8 ) معجم الأدباء : 18 / 130 .
( 9 ) معجم الأدباء : 18 / 139 .