« لا تعدم هناك مذهبا تسلكه ، ومأما تتورده « 1 » » .
وقوله : « جعلوه كالمنبهة على فرط عنايتهم « 2 » » .
كما تظهر الصناعة اللغوية وذلك في قوله - مثلا - وأنها - أي اللغة - لم تقتعث اقتعاثا ، ولا هيلت هيلا « 3 » .
* * * وبعد : فذلك مدى ما تأثر ابن جنى بأبى على ، ومدى ما افترق بمقدار عنه - في الخصائص الذي يمثل أصول النحو واللغة :
تأثر ابن جنى واضح بأستاذه في الأصول النحوية واللغوية ، واحتجاجه بالحديث الشريف ، وفي طريقة التدليل بالتزامه مسائل المنطق وقضاياه ، وبالتعصب لسيبويه وبالرد على من هاجمه وعاداه ، والدفاع عن أبي الحسن الأخفش ، والاعتداد به ، وبالأنصاب في سرد الشواهد ، واستغلال العروض والقوافي في التعليل ، وظهور نزعة الاستطراد عنده بطابع خاص وبمقدار .
وابن جنى بعد ذلك يكثر في بعض ما أقل منه الشيخ : يكثر من الاستشهاد بشعر المولدين في المعاني ، ومن تقدير المتنبي ، كما يكثر من التعليل النفسي ، والاحتكام إلى طبيعة الحس في الاحتجاج .
وأنك لتجد بعض هذه السمات من التوافق أو التخالف فيما عرضته من دراسة مقارنة بين الرجلين في الاحتجاج - في الحجة والمحتسب ، ولكني هنا بصدد بيان مدى تأثر ابن جنى بشيخه في أصول اللغة والنحو ، وإننا لنرى ذلك التأثر متميزا بطابعه الذي يستقل به كتاب الخصائص ، ويجرى في أصوله على سنن من هدى الشيخ . حينا يقفى منه الآثار ، وحينا يفترق عنه بمقدار على النحو الذي سلف به البيان .
هامش
( 1 ) الخصائص 1 / 80 .
( 2 ) الخصائص 1 / 89 .
( 3 ) نفس المصدر 1 / 317 .