تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي — صفحة 620

مساهمون:

ص٦٢٠
إلى هذه الدوافع - معرفة الرجل بلغات أخرى غير العربية وقد دل على ذلك بقوله : « للعرب حسن بيان ، وفضل نظم وحكمة ، ولما حباها اللّه ( عز وجل ) بذلك تخصيصا منه وتكرمة ، فإذا كان كذلك كان مرجع ذلك كله إلى أصل واحد « 1 » . وهذا غير مشكل ، وقد اعتبرنا ذلك في عدة لغات عرفناها سوى العربية ، فوجدناه كذلك لا ينفك كلامهم كله من اسم وفعل وحرف ، ولا يكاد يوجد معنى رابع ، ولا أكثر منه ، وإن كان ليس له ترتيب العربي ونظمه وحسن تأليفه « 2 » . فعندي أن هذه الدوافع العامة والخاصة هي التي خلقت النزعة المنطقية في كتاب الإيضاح في علل النحو ، فجعل صاحبه الزجاجي في عنوانه : لفظ العلل ، وألحق به مسائل في الحدود ، وحشاه بالجدل والمناظرة ، على النحو الذي سأعرض له . ودعا الناس إلى اختباره في إلحاح ، وآثر به الخاصة من الأخوان ، وتاه به كما رأيت من تيها عظيما . وإذ ثبت أثر المنطق في الارتفاع بمكانة النحوي ورسوخ قدمه في النحو ، فقد آن أن أبين مدى ظهور المنطق في نحو الزجاجي ، وفي كتاب الإيضاح الذي تبدت فيه هذه النزعة ، لأعرف : « أصادقا كان أبو علي حين قال قولته فيه ، أم كان مجانبا الحق فيما يدعيه » . ولا يظن ظان أنى أقول بهذا المقياس المنطقي الذي رسمه أبو حيان ، وارتضاه للنحاة في عصره ، فلست أرضى أن يثقل كاهل النحو بمسائل المنطق ، وعلله وأقيسته ، وقضاياه على هذا النحو . بل أعد هذا بعض ما أرهق النحو من فترة جعلته كالحا بعد نضرة ، محترقا بعد نضج ، ولكني أعيش ببحثى هذا في القرن الرابع الهجري ، فكان لزاما أن أقيس بمقاييس أهله ، وأوازن بين المتعاصرين فيه بالموازين التي ارتضوها ، تاركا القول في نقد هذه المقاييس وتقديرها إلى مكانه المقسوم . وأعود بعد هذا إلى الكشف عن كتاب الإيضاح في علل النحو للزجاجى وطريقة صاحبه في تناول المسائل المنطقية ، موازنا بينه في ذلك وبين أبى على : يبدو المنطق من عنوان الكتاب ، فاسمه « الإيضاح عن علل النحو » ثم تقرأ المقدمة - أو على حد تعبير القدامى الخطبة - فتطالعك العبارة الآتية من قول الزجاجي :
هامش
( 1 ) يشير إلى انقسام الكلام إلى اسم وفعل وحرف . ( 2 ) الإيضاح 22 .