في الإشارة إلى أن هذا الكتاب مرآة لغاية جهده في النحو وعلله وأسراره ، ودليلا على بعد مداه فيه .
وقد جعل الزجاجي كتابه هذا في قسمين : القسم الأول : في ذكر العلل خاصة والثاني - كما يقول في المسائل المجردة جعلها منثورة من سائر الحدود .
وقبل أن أعرض لهذا الكتاب بالتقويم أود أن أقول كلمة في الملاك العام الذي كان يقوم عليه البحث عند علماء القرن الرابع في علوم الثقافة العربية بعامة ، والنحو - بخاصة ، لأجعل هذا الملاك بعض ما تدور عليه الموازنة بين نحو الرجلين :
يبدو أن الباحثين في هذا العصر سحرتهم الفلسفة ببحوثها وفروعها ، واستولت على نفوسهم من أقطارها ، جريا وراء هذا التيار الجارف الذي دفعه اتصال المسلمين بثقافة الفرس ، وحكمة الهند ، وكتب يونان . حتى قال ابن قتيبة :
« ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو لعد نفسه من البكم « 1 » » .
وكان النحو منطق العربية ، كما أن المنطق نحو يونان « 2 » . ومن هنا كان على الزجاجي أن يبتغى مقاربة الكمال الذي أشار إليه معاصره أبو حيان في قوله :
« البحث عن المنطق قد يرمى بك إلى جانب النحو ، والبحث عن النحو يرمى بك إلى جانب المنطق ، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحويا ، والنحوي منطقيا « 3 » »
ودافع آخر خاص أضيفه إلى هذا الدافع العام : ذلك لأن الزجاجي ألف فيما ألف : « شرح خطبة أدب الكاتب لابن قتيبة « 4 » » ، وفي هذه الخطبة يقول ابن قتيبة :
« أرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئا من تقويم الكواكب ، وينظر في شئ من القضاء وحد المنطق « 5 » » . وهو بهذه العبارة يخلع صفة اللطف على المناطقة ، ويجعل النظر في المنطق للطيف رافعا له أعلى الدرجات » .
هامش
( 1 ) أدب الكاتب ص 4 .
( 2 ) الإمتاع والمؤانسة 1 / 67 .
( 3 ) المقابسات 177 .
( 4 ) بغية الوعاة 297 .
( 5 ) أدب الكاتب 3 .