من قدر أبى على الفارسي لعلة قريبة ، هي أن أبا على شيخ من شيوخ ابن الأنباري ، ومن أولئك الذين تمر بهم سلسلة سنده في علم العربية فقد أخذ ابن الأنباري عن ابن الشجري ، وهذا قد أخذه عن طباطبا عن الربعي عن الفارسي « 1 » ، وسأكشف في القابل من هذا البحث عن التأثر البعيد الذي ظهر عند ابن الشجري مقتفيا آثار أستاذه الفارسي « 2 » .
ومن هنا أراني مضطرا للرجوع إلى كتب الزجاجي في النحو ؛ لأتهدى بها في تحقيق ما روى الأنباري عن الفارسي ، نعم لا بد من ذلك لأمور :
أحدها - ما ذكرته من أن الأنباري لا يسلم له ما يرويه في يسر ، لما ذكرت من تعليل .
وثانيها - أن منهج هذا البحث يفرض على أن أتعرف العلاقة التي كانت بين أبى على ومعاصريه ، وهذه لا بد - لإيفاء الكلام عنها - من الاتصال بآثار هؤلاء بعامة ، والزجاجي الذي رمى في نحوه ، والذي عقدت له هذا الفصل - بخاصة .
والثالث - أن الناس يختلفون في تقدير الزجاجي ، فمنهم من يحط من قدره في النحو حتى وصف بما تومئ إليه عبارة الفارسي ، ومنهم من يثنى على نحوه ممثلا في كتابة الجمل ثناء مستطابا « 3 » .
والرابع - أنه من المحتمل صدور هذه القولة عن أبي على الفارسي مدفوعا بالمنافسة التي تكون غالبا بين العلماء المتعاصرين ، هذا إلى ما ركب في النفوس من حب التنقص ، والنظر المضاد . وقد ألم بهذا المعنى الزجاجي نفسه في تصدير كتاب الإيضاح في علل النحو حيث يقول :
« وينبغي أن يعلم أن أصدق الناس له ، وأبرهم به لن ينظر في تصنيفه إلا نظر مضاد له ومكاشح « 4 » » ولعل أبا على الفارسي كان على حق فيما ذهب إليه ، لاختلاف المنهجين في تناول النحو بين الرجلين ، ومحل كل في هذه الصناعة ، وقد أحس الزجاجي ذلك حيث يقول :
هامش
( 1 ) نزهة الألباء 270 .
( 2 ) انظر الفصل الخاص بذلك ص 630 .
( 3 ) راجع شذرات الذهب 2 / 357 .
( 4 ) مقدمة كتاب الإيضاح .