تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
بعد ذلك أن يصحح تفسير ما تداوله الناس ، وتوارثه الباحثون من أن الفارسي أراد بهذه العبارة أن الرماني كان يمزج نحوه بالمنطق ، وظهور المنطق في نحو الرماني على هذه الصورة الباهتة التي عرفت ، والأمثلة النادرة التي عرضت ، لا يجيز لنا فهم العبارة هذا الفهم الذي توارثه الناس . ومع التسليم - جدلا - أن الرماني حشا نحوه بالمنطق ، ودلل على القواعد النحوية بالقضايا المنطقية فان ذلك لا يدفع الفارسي إلى أن يقول قولته ؛ لأنه مشترك معه فيما يرميه به . بل إن الفارسي هو الذي كان ينهج نهج المناطقة في عرض المسائل النحوية ، مدللا ، وشارحا ، ومعللا ، ومناقشا ، ومعترضا ، ورادا على هذه الاعتراضات ، وأنه كان يصطنع أساليب أهل المنطق ، وينقل إلى نحوه ألفاظهم ، فتراه يستعمل النوع ، والجنس ، والشيوع ، والقياس ، والحمل ، والدلالة ، والاختصاص « 1 » . * * * إن الفارسي لكثرة ما مزج نحوه بالمنطق جاءت عبارته عسيرة الفهم ، معقدة الأسلوب ، ضاربة في الغرابة ، تكد الذهن ، وتصدع الرأس ، على حين كانت عبارة الرماني في كتابه الحروف يسيرة سمحة يمضى بها رخاء حيث أصاب ، وإذ كان العصر عصر فلسفة وامتزاج للثقافات المختلفة : عربية وفارسية وهندية ويونانية ، فان أسلوب أبى على كان هو الأسلوب الذي أرضى خاصة الناس ، واتفق هو وما يهوون ، وارتفعوا بأبى على من أجل ذلك - وغيره - إلى درجة أعلى من المبرد ، وحتى قال أبو طالب العبدي : « ما كان بين سيبويه وأبى على أفضل منه » « 2 » . * * * ورأينا في ذلك الفصل كيف أن الفارسي مستوعب متقص ، يذكر الشواهد من التنزيل والشعر وسائر الكلام في تلاحق وانصباب ، وقد اتخذ من هذه الشواهد مادة استقرأها ، وتعرف الخصائص المشتركة بينها ثم أصدر الحكم المقعد لما انتهى إليه من النظر في هذه النصوص . وإنك تقرأ ما كتب الفارسي في الحروف سواء أكان في الشيرازيات أم البغداديات أم الحجة - فتجد عمقا ودقة ونظرا واستقصاء ، وقد خلا من كل ذلك كلام الرماني على الرغم من أنه قصد قصدا إلى الحروف حتى سمى ( كتابه ) بهذا
هامش
( 1 ) انظر الفصل الخاص بذلك - أبو علي الفارسي والمنطق - وانظر البغداديات ورقة 25 . ( 2 ) نزهة الألباء 209 .