ونحوه قول الرجل لصاحبه « علم اللّه الصادق منى ومنك » « 1 » . ونحو قول العرب : « أخزى اللّه الكاذب منى ومنك » ، يقول ذلك من يتيقن أن صاحبه هو الكاذب « 2 » . فكذبته من وجه هو أحسن من التصريح « 3 » .
وأرتب على ذلك أن الفارسي لا يعترف بالرمانى نحويا ، وأنه يريد أن يقول - موريا وملمحا - وفي التلميح ما يغنى عن التصريح - أن نحوه هو النحو ، وليس عند الرماني من النحو شئ
وأبو علي الفارسي في هذا يلتقى مع البديهي حيث يقول :
« ما رأيت على سنى وتجوالى وحسن إنصافى لمن وضع يده في الأدب أحدا أعرى من الفضائل كلها ، ولا أشد ادعاء لها كلها من صاحب الحدود « 4 » ، فإني مع وزنى له ، ونظري إليه ، واستكثارى منه في عنفوان شبيبتى لم أقطع على أمره حتى راجعت العلماء في أمره ، فقال المتكلمون : « ليس فنه في الكلام فننا » ، وقال النحويون :
« ليس شأنه في النحو شأننا » وقال المنطقيون : « ليس ما يزعم أنه منطق منطقا عندنا » ، وقد خفى مع ذلك أمره على عامة من يرى « 5 » . وهذه العبارة - في هذا المقام - تدل على أن الرماني لم يبلغ في النحو شأن المشتغلين بصناعته . وهذا ما أفهمه من عبارة الفارسي .
فما الذي دعا الفارسي إلى ذلك الموقف الذي وقفه من الرماني ؟ وأن يرى ذلك الرأي الذي رآه فيه ؟
كان لا بد أن أرجع إلى بعض ما لكل منهما في النحو ، فاتصلت بآثار لهما اتصالا هداني إلى الفهم الذي قررت في عبارة الفارسي ، وأعانني على هذا الفهم أنى تعرفت النزعات المختلفة ، والأهواء التي كانت تسيطر على العلماء في ذلك العصر ، وتوجه قلوبهم حبا لفريق منهم ، وبغضا للآخرين ، فألقى ذلك كله ضوءا على العلاقات التي كانت تربط بين الفارسي وسواه من الأئمة في عصره ، ومن هؤلاء « علي بن عيسى الرماني » .
فمن حيث الآثار التي تركها كل ، فللرمانى مخطوط بمعهد إحياء المخطوطات العربية مصور من مكتبة البديرى بالقدس « 6 » في ( فيلم ) رقمه 22 ( اثنان وعشرون )
هامش
( 1 ) تفسير الزمخشري 3 / 259 .
( 2 ) تفسير البحر المحيط 7 / 279 .
( 3 ) تأويل مشكل القرآن 208 .
( 4 ) يقصد الرماني .
( 5 ) البصائر والذخائر .
( 6 ) رقم المخطوطة فيها ضمن مجموعة الرسالة الثانية من 135 .