تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
مطلقا فذلك صحيح وإن لم يصدر عن الرماني ، لكنه أورد عبارته بعد شرح كلمة الفارسي في نحو علي بن عيسى الرماني ، وهي تفهم أنه أراد الرماني بالذات ، فلعله أراد المناظرة التي بين يونس والسيرافى « 1 » ، وليس فيها للرمانى رأى أو اشتراك ، وإن كان هو الذي رواها عن أبي سعيد « 2 » . فهل كان الرماني يستعمل المنطق في عبارته النحوية « 3 » ، وهل كان يمضى في هذه النزعة حتى لا يفهم الحاضرون من طلابه شيئا من كلامه « 4 » ؟ وهل بلغ الغاية في ذلك حتى سبق الفارسي وأبا سعيد السيرافى على تفاوت بين الأخيرين في هذه النزعة : توسطا عند أبي على تجعل الطلاب يفهمون بعض كلامه دون بعض ، وقلة أو عدما عند أبي سعيد تجعل الطلاب يفهمون منه جميع الكلام ؟ للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نتصل اتصالا وثيقا بآثار كل من هؤلاء الأئمة في النحو ، ونقرأها قراءة فاحصة ، ثم نوازن بينها ، لنصدر في أحكامنا عن تصور ، ونهتدى في فهمنا بالدليل ، والذي يعنينا من هذه الآثار ما كان منها متصلا بهذا البحث ، والذي يكشف عن مفهوم عبارة الفارسي في الرماني . وأقرر هنا أن الفارسي لم يقل النص الذي ذكره الأنباري ، ليدل به على مذهب الرماني في فلسفة النحو ، فلم يكن الفارسي ليحفل بشيء من ذلك ، فحديثه عنه من هذه الزاوية - لا يعنيه في قليل ولا كثير ، ولا سيما إذا علمنا أن الفارسي نفسه من أصحاب المنطق في النحو إلى حد كبير . فما ذا أراد الفارسي إذن بهذه العبارة ؟ أقول : « إنه أخرج هذه العبارة مخرج الآية الكريمة :
وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
« 5 » « وهو جل وعز يعلم أن رسوله المهتدى ، وأن مخالفه الضال « 6 » . وقول حسان :
أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء « 7 »
وقول الشاعر :
فأيى ما وأيك كان شرا * فسيق إلى المقادة في هوان « 8 »
هامش
( 1 ) مقابسات 68 . ( 2 ) الامتاع والمؤانسة 1 / 128 . ( 3 ) انباه الرواة 2 / 388 . ( 4 ) نزهة الألباء 211 . ( 5 ) سورة سبأ آية 24 وانظر في تفسير هذه الآية تفسير أبي السعود 4 / 351 . ( 6 ) تأويل مشكل القرآن 208 . ( 7 ) ديوان حسان بن ثابت ص . ( 8 ) النهر الماد من البحر لأبي حيان على هامش البحر المحيط 7 / 274 والبحر المحيط 97 / 27 .