أبو علي والتصريف
في مجلس ضم أبا جعفر البصير الموصلي وأبا بكر بن شقير وأبا على الفارسي قال أبو جعفر لأبى على : في أي شئ تنظر يا فتى ؟ قال : « في التصريف فجعل يلقى عليه من المسائل على مذهب البصريين والكوفيين حتى ضجر فهرب أبو علي منه إلى النوم وقال : « أريد النوم » فقال هربت يا فتى ! فقال : نعم ! هربت « 1 » ! ويبدو أن ذلك كان في أوائل عهد أبى على ولا يرضى أبو علي عن موقفه هذا ، ويدفعه ذلك إلى الجد في التصريف ، ويبلغ فيه مبلغا جعله يوما يقبل على أصحاب أبي بكر الخياط : أكبرهم سنا وأكبرهم عقلا وأوسعهم علما عند نفسه ، فيسأله كيف تبنى من سفرجل مثل عنكبوت فيجيبه مسرعا : سفرروت ، وتأخذ أبا على نشوة الطرب وهزة الغلبة فيقوم في المسجد ويصفق بين الجماعة ويقول : سفرروت ! سفرروت ! ويخجل أبو بكر مما جرى ، ويستحى من أبى على ، ويدعو على أصحابه ألا يبارك اللّه فيهم ، ولا يحسن جزاءهم « 2 » ! وهذه الواقعة تمثل مرحلة أخرى من مراحل اشتغال أبى على بالتصريف ، ولعلها تكشف عن نضج نظره فيه ، وتمكنه منه .
وتعليل براعة أبى على في التصريف ميسور ، فما من شك في أن تفرد أبى على بكتاب سيبويه ، وشدة إكبابه عليه « 3 » ، وعلمه العربية ، واتصاله بأبى الحسن الأخفش وله مذاهب في التصريف « 4 » ، وروايته تصريف المازني ، واقرائه « 5 » ، وقراءته تصريف الفراء « 6 » كل أولئكم كان من العوامل التي جعلت أبا على يبرع في التصريف إلى ما ركب اللّه فيه من عقل حاضر ، وحدة خاطر .
هذا وتجد الصرفيات كثيرا في البغداديات « 7 » والمنثورة « 8 » وترى أبا على في وزنه الكلمات وزنا صرفيا وبيان أصلها يائيا كان أو واويا يسلك السبل الآتية أو بعضا منها :
( ا ) فهو يناظر الكلمة الموزونة بكلمة أخرى كما في وزنه « فم « 9 » » . أصله فوه كثوب وأثواب .
( ب ) أو يرجع إلى اشتقاقها كما في وزنه الأربية حيث قال : تكون أفعوله من
هامش
( 1 ) معجم الأدباء : 18 / 203 وروضات الجنات : 221 .
( 2 ) انظر الخصائص : 4 / 594 وما بعدها مخطوط بالخزانة التيمورية 274 .
( 3 ) الامتاع : 1 / 131 .
( 4 ) انظر الحجة 1 / 190 ن مراد ملا .
( 5 ) المنصف : 6 .
( 6 ) انظر خزانة الأدب : 2 / 259 .
( 7 ) انظر لوحة 35 - 54 .
( 8 ) 166 - 168 من أبي على .
( 9 ) انظر المخصص : 1 / 134 .