تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
يقابل النص المطلق بالنص المقيد الوارد في نفس القسم أو حول نفس القضية . وأحيانا لا يكون التقابل بين النصوص والتوفيق بينها ممكنا . وقد مر بنا في « أسباب النزول » ما أثارته الآية
« لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا »
من توهم عند عثمان بن مظعون وعمرو بن معديكرب اللذين ظنا - استنادا إلى هذه الآية - أن الخمر مباحة . وقد يتوهم البعض من بعض النصوص ما هو أكثر من ذلك كأن يتعلق متعلق بقوله تعالى :
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا »
في الآية :
« أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
« 1 » . ويذهب إلى أن الآية مطلقة في إباحة أكل كل شيء وشرب كل شيء ، وهذا تعلّق لا معنى له فالآية : لم ترد مبيّنة لذلك ، بل مبينة لحكم جواز الأكل والشرب والمباشرة إلى الفجر دفعا لما كان الناس عليه من حظر ذلك على من نام ، فبين في الآية إباحة ما كان محظورا ، ثم أطلق لفظ الأكل والشرب والمباشرة لا على معنى إبانة الحكم فيما يحل من ذلك وما يحرم . ألا ترى أنه لا يدخل فيه شرب الخمر والدم وأكل الميتة ولا المباشرة فيما لا يبتغى منه الولد ، ومثله في القرآن كثير . وهذا يدل على أن النظر في العموم إلى المعاني لا لاطلاق اللفظ . إن الآية واضحة في دلالتها على أنها ليست نصا في بيان الحلال والحرام في المطعم والمشرب ، بل محور اهتمامها نفي ما كان شائعا عند المسلمين من تحريم الأكل والشرب والمباشرة بعد النوم . لكن المهم أن « عموم » اللفظ هنا أو اطلاقه ليس هو معيار الدلالة ، فالدلالة محصلة تفاعل علاقات السياق ، وهي التي تحدد الخاص والعام أو المطلق والمقيد . ومع ذلك فمن المهم دائما العودة إلى ترتيب النزول عند وجود « تعارض » بين النصوص . وفي ذلك يضع الأصوليون مجموعة من القواعد لتحديد العام والخاص عند توهم التعارض . وفي هذه القواعد يتسع مفهوم النص ليضم إلى جانب « القرآن » السنة النبوية والاجماع :
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 187 .