تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
ولهذا لم يشتغل جميعهم بكتابة تفسير القرآن ، ولعلّ من اشتغل به منهم كان يرى أن جلاء تلك المفردات أو الكلمات ، وبيان تلك الشروح والمناسبات كاف لرفع قارئ القرآن إلى مستوى إدراكهم هم ، وتحسسهم للغرض الأساس العملي لكتاب اللّه الكريم . على أننا حين نقرر هذا كقاعدة عامة نقيّم بها ما ورد عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن لا نعني فتحا لمجال الترخص بإهمال ما ورد عنهم ، وإهمال آرائهم وأقوالهم - وهم أدرى الناس به لما شهدوه وعاصروه ، ولما اختصوا به من المنازل والأحوال - وإنما نعني أن ما ورد عنهم من الأقوال لا يكفي وحده للوقوف على فهمهم العميق للقرآن ، والذي لم يدوّنوه بأقلامهم - رضي اللّه عنهم - ، أما الاستظهار بما ورد عنهم ، والاستفادة من أقوالهم وتعليقاتهم فأمر لا يستغني عنه من أراد فهم القرآن وتفسيره من جديد !

ثانيا - المفسّرون والغرض الأساس للقرآن الكريم :

ومن المعلوم أن شيخ المفسرين والمؤرخين الإمام أبا جعفر محمد بن جرير الطبري ( المتوفى سنة 310 ه ) قد ضمّ كتابه في التفسير « والموسوم بجامع البيان عن تأويل آي القرآن ، والمشهور بتفسير الطبري » أو اشتمل على تفسير الصحابة والتابعين وغيرهم من عصور السلف الأولى ، أو القرون المشهود لها بالخيرية والفضل . ولكن تفسير الطبري ينطوي كذلك على ما يسمى بالتفسير بالرأي ؛ يظهر ذلك على أجلى ما يكون في اختيارات الطبري نفسه ، وترجيحاته ، وما يذهب إليه في تفسير الآية أو الآيات ؛ لأن هذه الاختيارات والآراء تجاوزت الرواية المأثورة إلى ما هو أعم وأوسع ؛ كل ذلك على ما تقتضيه اللغة والشريعة وأصول التفسير . ولهذا يعتبر تفسير الطبري أول خطوة هامة أو أبرز خط في السلّم البياني الذي يمكن رسمه لتاريخ التفسير ، لا يضارعه في ذلك سوى تفسير بقيّ بن مخلد الأندلسي ( المتوفى سنة 276 ) كما ذهب إلى ذلك ابن بشكوال ، وقطع به ابن حزم