تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
ولهذا نجد أن الصحابة - وكثيرا من التابعين من بعدهم - لم يعنوا بتدوين التفاسير المطولة للقرآن الكريم ، يثقلونها بتفصيل القول في علوم القرآن ، أو علوم التفسير الواسعة ، ومدلولات الآيات البعيدة ، أو إشاراتها العميقة . . . ولم يكن ذلك لنقص في علمهم بكتاب اللّه ، كما ظن بعضهم ، بل لمزيد من هذا العلم من حيث الفهم الصحيح والمتكامل لكتاب اللّه ؛ نظرا لمعرفتهم باللغة ، ومعاصرتهم للتنزيل ، وفهمهم لجميع نصوصه في سياقها وسباقها الصحيح ، ومناسبتها الواضحة - بناء على ذلك التدرج - ولاستلهامهم لتلك الروح القرآنية العالية ، وعملهم بموجبها يوما بعد يوم . . يخلون أمامها الطريق وهي تهدم كل رواسب الجاهلية ، وأفكارها ، وتصوراتها ، وقيمها ، وموازينها . . . حتى علا ذلك البنيان الشامخ الفريد . ولهذا فإن ما خلّفه لنا الصحابة والتابعون في تفسير القرآن الكريم لا يصوّر لنا الغرض الأساس الذي نزل القرآن من أجله ، والذي وعاه الصحابة - رضوان اللّه عليهم - وطبقوه ، وعاشوه واقعا وعملا . وإذا رجعنا إلى ما أثر من تفسيرهم للقرآن الكريم لوجدنا أنه نوع من التفسيرات اللغوية ، أو شرح لبعض الجمل والتراكيب ، بالإضافة إلى بيان المناسبات ونحوها مما يتصل بالأماكن والوقائع والأعلام وبعض الأحكام ، والذي كانوا يجدون فيه ما يكفي لرفع قارئ القرآن إلى مستوى إدراكهم وتحسّسهم للغرض الأساسي من القرآن الكريم ، بدليل أن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - لم يؤثر عنه ، وقد دعا له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بأن يفقهه اللّه في الدين ويعلمه التأويل ، لم يؤثر عنه في تفسير القرآن إلا نحو من مائة أثر أو مسألة كما قال الإمام الشافعي - رضي اللّه عنه - . وهذا قدر قليل جدا من ترجمان القرآن إذا ما قسناه بالمطولات وكتب التفسير التي دونت فيما بعد . ولهذا : كان اختلاف الصحابة والسلف في التفسير اختلاف تنوع لا اختلاف