تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
تضاد ، كما لاحظ ابن تيمية - رحمه اللّه - « 1 » ولهذا أيضا كانت كتب تفسير القرآن في مرحلة نشأتها كتبا شارحة للغريب ، لأن من الراجح أن سبيل التفسير في ذلك العصر القريب من عصر التنزيل كان يستوي بمثل هذا الشرح . ومن هنا كانت هذه الأسماء : « غريب القرآن » و « معاني القرآن » و « مجاز القرآن » أو استعملت في عرف المتقدّمين مترادفة أو كالمترادفة . أما فيما وراء ذلك ، فالقرآن الكريم النابض بالحياة ، المبدّل للنفوس والعقول ، والذي أوجد ذلك الجيل ، وأوجد هذه الأمة - وفي العصور الأولى على وجه الخصوص - هذا القرآن لا يمكن تحصيل معانيه من خلال تراث الصحابة - رضوان اللّه عليهم - في تفسير القرآن ، وإنما ينبغي تحصيله - لمن قدر على ذلك - من خلال ذلك التمثل الكامل للقرآن ، والذي تجلى في حياة الصحابة وسلوكهم وفهمهم عن اللّه سبحانه ، ومن خلال روحهم العظيمة تلك التي سرت في العالم فأحيت موات النفوس ، ونشرت دوارس العقول ، ووصلت الخلق بالخالق بحبله المتين ، ونوره المبين . . . هذا القرآن الكريم . بل ينبغي تحصيل هذا التفسير ، قبل ذلك ، من خلال السيرة النبوية الشريفة وخلق النبيّ الكريم - صلوات اللّه عليه وسلامه - . . هذا الخلق الذي كان الصورة العملية الكاملة للقرآن الكريم ، كما قالت السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي اللّه عنها - ، وقد سئلت عن خلقه - عليه الصلاة والسلام - فأجابت بتلك الكلمة العبقرية الفذّة : « كان خلقه القرآن ! » ولهذا صح لعلمائنا السابقين - رحمة اللّه عليهم أجمعين - ما قالوه في تعريف التفسير بالمأثور من أنه « ما أثر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والصحابة - والتابعين - تفسيرا للقرآن الكريم » ولكن ما أثر عنهم - كما رأيت - لا ينبغي أن يكون مقصورا على الأقوال ، بل يجب أن يتعداه أو يسبقه ، إلى السلوك والأعمال .
هامش
( 1 ) انظر مقدمته في أصول التفسير ، نشر دار القرآن الكريم ص 38 .