المقصد البعيد ، فالنطق ما يلقيه جبرائيل عليه السلام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، ظاهره لفظ وباطنه دلالات
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
.
واستبعاد الهوى ملحوظ فيه الفكر وليس اللفظ ، رغم إن المتبادر إلى الذهن في الوهلة الأولى هو اللفظ .
القرآن الكريم بهذه العملية من المفاعلة بين اللفظ والفكر إنما يوحد بين الظاهر والباطن ، بين الشكل والمضمون ، بل يقر قاعدة مهمة أساسية ، لا فكر بلا لغة ولا لغة بلا فكر .
النطق هو هذه الألفاظ المصوتة ، ولكن هذا الإطار الظاهري العام ، يطوي النطق كخبر يقيني ، وهذا بحد ذاته يحتضن الوعي والعلم . . أنظمة متدرجة ، تذكرنا بالعالم البطليكي ، وبين نظام وآخر علاقة متواشجة .
قال تعالى
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
.
قال تعالى
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
.
قال تعالى
فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
.
وتجاوبا مع هذا التفكير لا استبعد ان منطق الطير في قوله تعالى
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
. . . لا استبعد ان يكون ( منطق الطير ) هنا هو الطريقة التي ينظم فيها سلوكه ، حيث مكن اللّه تعالى داود من فهم هذا السلوك بدلالاته البعيدة ، وإذا كانت الإشارة هنا إلى الحوار الذي جرى بين الهدهد سليمان فان قرب مادة النطق من الفكر تكون أقرب منها إلى الألفاظ المصوتة .
قال تعالى
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ
النمل / 85 .
دهشوا عقلا فعدموا نطقا .
والحمد للّه رب العالمين .