هجمات تلك القبائل الهمجية المفسدة ، قبائل يأجوج ومأجوج التي كانت تشن عليهم هجماتهم من خلف الجبلين المتقابلين من الممر الضيق الذي بينهما وذلك بإقامة سد بين الصدفين « 1 » ، مقابل خراج يدفعونه إليه من أموالهم .
ونظرا لأن القضية التي وضعها ذو القرنين نصب عينيه هي الإصلاح ومقاومة الفساد والشر ، والحكم بالعدل بين الناس ، ولم يكن همه جمع المال أو قصد العلو في الأرض بإذلال الشعوب ، فقد رفض عرضهم ، وتطوّع بإقامة السد على أن يتطوعوا هم من جانبهم بتقديم الجهد البشري ، فمنه الخبرة والتصميم والإشراف ، وعليهم الطاقة العمالية والمواد الأولية المتوافرة في بلادهم .
وكان أيسر طريق لإقامة السد هو ردم ما بين الجبلين أولا بفلزات الحديد الذي تتخلله قطع الفحم والخشب ، حتى إذا تساوت قمة الحديد بقمة الجبلين المتقابلين ، أمر بالنفخ لإيقاد النار بالحطب الذي يتخلل الفلزات لتسخين الحديد ، حتى إذا جعله نارا لشدة احمراره وتوهجه أفرغ عليه النحاس المذاب بتخلل الحديد ويختلط به فيصبح قطعة واحدة وكتلة متماسكة وجدارا أملس بين الجبلين .
وهكذا حقق الأمن والطمأنينة لهؤلاء القوم المتخلفين ، فلم تستطع قبائل يأجوج ومأجوج تسوّر الردم ولم يستطيعوا ثقبه والنفاذ من خلاله « 2 » .
ولما أنجز ذو القرنين هذا العمل الضخم الرائع ، لم تأخذه نشوة البطر والغرور بل أعاد النعمة إلى مسديها ، نعمة العلم والخبرة إلى واهبها ، ونعمة التوفيق للعمل الصالح إلى الذي مكّن له في الأرض ،
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي
.
ومن إيحاء هذا الموقف العظيم وهو يطل على البناء الشامخ ومن ورائه أفواج قبائل يأجوج ومأجوج المتلاطمة وهي لا تستطيع القلب ولا النقب تذكر مصير
هامش
( 1 ) الصدفان : الجبلان المتناوحان أي المتقابلان ، ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان للاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر . تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي : 11 / 61 ونسبه لابن عطية .
( 2 ) سنعود إلى الحديث عن ذي القرنين ، والسد ، ويأجوج ومأجوج في مباحث مستقلة .