جبلية أو أشجار سامقة ، ولعلها كانت بعض الصحارى الممتدة أو السهول الواسعة ، فالمكان لم يحدد والستر لم يعين
لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً
« 1 » .
ونظرا لوضوح سياسة ذي القرنين في الشعوب التي تمكن منها ، وهو الدستور المعلن في رحلة الغرب لم يكرر هنا إعلان مبادئه ، لأنها منهج حياة ودستور دولة مترامية الأطراف وسياسة أمم فهو ملتزم بها أينما حل أو ارتحل
كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً
.
إلا أن الرحلة الثالثة تختلف عن الرحلتين السابقتين من حيث طبيعة الأرض والتعامل مع البشر سكان المنطقة ، ومن حيث الأعمال التي قام بها فلم يقتصر فيها على الأعمال الجهادية لكبح جماح الأشرار والمفسدين ، بل قام بعمل عمراني هائل .
أما الأرض فوعرة المسالك ، وأما السكان - وكأن وعورة الأرض قد أثرت على طبائعهم وطريقة تخاطبهم مع غيرهم - فهناك المشقة في التفاهم والمخاطبة بحيث لا يكاد الإنسان منهم يقدر على التعبير عما في نفسه ، ولا أن يفقه ما يحدثه به غيره من غير بني قومه
وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
إما في أسلوب التخاطب والتعامل - كما أسلفنا - أو من التخلف الحضاري والبدائية في العادات والمفاهيم والمصطلحات .
فلما وجدوا القوة في دولة ذي القرنين والعدل والصلاح في سيرته - وعدل السلطان يفتح أمامه القلوب قبل فتح الجيوش الأمصار - لجأوا إليه لحمايتهم من
هامش
( 1 ) الستر يطلق على الحواجز الطبيعية من الجبال والأشجار ، وكذلك على ما يحجب ضوء الشمس من الأمور الصناعية من بنيان وملابس . وبكل احتمال مما سبق قال بعض المفسرين .
ويرجح الدكتور عبد العليم خضر أن الموضع الذي وصل الذي إليه ذو القرنين في جولة المشرق هي المناطق الصحراوية المطلة على المحيط الهندي وتعرف باسم ( غيدروسيا ) وكانت مأوى القبائل المتأخرة وكانت تغير على تخوم الدول المجاورة فأراد ذو القرنين تأديبها وحماية حدود دولته الشرقية منهم . انظر : مفاهيم جغرافية : 269 .