نوع القصص الذي كان فيه تثبيت قلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم الذي يقول عنه سبحانه وتعالى :
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
[ هود : 49 ] . لتكون إفحاما لأولئك الذين أرادوا إطفاء نور اللّه بتوجيه هذه الأسئلة التعجيزية ، ولتكون دليل صدق على أن هذا وحي من اللّه
ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
[ يوسف : 111 ] .
العرض الإجمالي للمقطع الخامس :
في هذا المقطع قصة ذي القرنين وجولاته الثلاث في مغرب الشمس ومطلعها وبين السدين ، وكما هو الشأن في القصص القرآني لا تخبرنا الآيات الكريمة عن اسم ذي القرنين ونشأته ولا عن زمانه أو مكانه « 1 » ، وإنما تحدثنا عن شيء حول شخصيته وعن رحلاته الثلاث :
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
.
إنه شخص مكّن له رب السماوات والأرض الخالق المدبر المتصرف في شؤون الكون ، رب العزة والجبروت مكن له في الأرض وآتاه من كل شيء سببا ، وينصرف ذهن السامع أو القارئ إلى وجوه التمكين له في الأرض ،
هامش
- البشرية على ضوء الهدايات المستمدة منه .
وفقد إحدى الدعامتين يؤدي نتائج غير محمودة ، فالحضارة اليونانية والرومانية قديما ، والحضارة الغربية حديثا اعتمدت على الدعامة الأولى ( الأسباب الظاهرة ) فسببت الشقاء للإنسانية . وفقدت الحضارة النصرانية هذه الدعامة واعتمدت على الثانية فقط فأصيبت بالشلل والعجز .
أما الحضارة التي نتجت من فتوحات ذي القرنين ، والحضارة الإسلامية التي سادت العالم - يوم كان المسلمون قادة العالم - فقد أخذت بالدعامتين فأنتجت السعادة للبشرية .
( 1 ) ليس مهمة القصة القرآنية تسجيل الحدث التاريخي من زاوية تدوينية بحتة وإنما يكون التركيز على مواطن العظة والعبرة وهي تتحقق من غير ذكر للزمان والمكان في أغلب الأحيان ، وحتى الأسماء أحيانا كما مر في قصة أصحاب الكهف وصاحب الجنتين وصاحب موسى عليه السلام . وانظر ما ذكرناه في المقطع الأول عن مزايا القصص القرآني .