تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
[ يوسف : 42 ] . حيث كانت نفسه تتشوف إلى الخروج من السجن ، وقد كانت الأيام الأولى ، أو قل الأشهر الأولى من سجنه ، ولنتصور الحالة التي كان عليها بلاط الملك وحاشيته في هذه الآونة : 1 - كانت الشائعات التي تموج بها المدينة وأهل البلاط حول امرأة العزيز وفتاه ، ومما أجبر الملك - على الرغم من تأكده من براءة يوسف - على أن يزج بيوسف في السجن قطعا للقيل والقال . فعودة يوسف على الساحة من جديد يلقي بالوقود على النار من جديد ويذكي الشائعات والأراجيف مرة أخرى . 2 - امرأة العزيز التي شففها حب يوسف ، لئن كانت الصدمة قد صعقتها عندما امتنع يوسف ولم يرضخ لرغبتها الجامحة ، إلّا أن تعلق القلب به لا يمكن أن يسكن خلال هذه الفترة القصيرة ، بل لعلها أعادت شيئا من معنوياتها المنهارة عندما أقامت الحجة على قريناتها من نسوة المدينة ، واستلت منهنّ الاعتراف قسرا ، بأن أي أنثى لو كان مكانها لوقفت مثل هذا الموقف ولحاولت مثل هذه المحاولة وهي كأنثى معذورة في هذه المراودة في منطق الإناث ، فإخراج يوسف من السجن مرة أخرى وخلال هذه الفترة القصيرة سيجعلها متوفزة للثأر من كرامتها وإعادة المحاولة مرة أخرى ، وستلقى متاعب جديدة في طريق يوسف عليه السلام ، الذي يعده ربه سبحانه وتعالى على عينه لمهمة أعظم من ذلك . ليكون أبا الأنبياء ، وليتمكن من إحضار آباء الأسباط الذين ستكون منهم أسباط بني إسرائيل . 3 - لو خرج يوسف عليه السلام من السجن في هذه المرحلة فلن يشعر به أحد ، لعدم الحاجة إليه في هذا الظرف ، فهو أحد أفراد الحاشية - وما أكثرهم - والبلاد في بحبوحة من عيشها ورغد من رزقها ، أما عندما تكون هنالك بوادر أزمات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية فإن أهل الكفاءات والخبرات في هذه المجالات تتعلّق بهم القلوب ، ويمكن أن تضحي الجماهير بأرواحها في سبيل الحفاظ على حياتهم ، وتبوئهم المكانة السامية الرفيعة ، لأنها تنظر إليهم أنهم المنقذون لها في هذه المرحلة ، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ، وهذا ما كان يهيئه اللّه سبحانه وتعالى ليوسف .
مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 214 | مصطفى مسلم