تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في التفسير الموضوعي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
لبثهم -
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
. لا شك أن في هذا الإرجاء في الجواب - في هذا الموقف الحرج - إحراجا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهل من حكمة في هذا الإرجاء ؟ ! إنّنا نعتقد جازمين أن الحكمة كل الحكمة ، والخيرة للمرء فيما اختاره اللّه سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين ، وعلى رأسها الخيار الذي يختاره اللّه سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله ، وقد يظهر لنا وجه الحكمة وقد يخفى ، ولكن مشيئة اللّه وخيرته في ذلك خير وأبقى . ولعل من وجوه الحكمة في هذا الإرجاء ما ندركه في الأمور الثلاثة التالية : ( أ ) جانب تربوي للأمة من خلال هذا الموقف مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعلى المؤمن أن يربط كل شيء بمشيئة اللّه سبحانه وتعالى وإرادته ، ولا يغفل عن ذلك ، وإن غفل عنه فليذكره في أول سانحة أو خاطرة
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
« 1 » . ( ب ) إنّ في هذا الإرجاء برهانا - بصورة غير مباشرة - لقريش على أن محمدا ليس له من أمر الوحي سوى التلقّي والتبليغ ، وأنّه مكلّف بهذه المهمة ومؤاخذ على التقصير فيها ، وليس له أن يختلق شيئا من عند نفسه ، أو يبدل شيئا أو يقدم أو يؤخر أو يكتم ، وهذا الجانب أكّدته آيات كثيرة :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
[ الحاقة : 44 - 46 ] .
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[ يونس : 15 ] . وإذا تذكرنا أن أصل الاستفسار وإيراد الأسئلة كان للتحقق من صدق محمد صلى اللّه عليه وسلم في دعوى الرسالة أدركنا أهميّة هذا اللون البرهاني من واقع الأحداث
هامش
( 1 ) لم يأت التنبيه على ذكر المشيئة إلّا بعد الإجابة على سؤله ، وفي ذلك تكريم لرسوله وإيناس لنفسه ، لأن في المبادرة بالنهي توهم الإعراض عن الإجابة ، وهذا شأن تعليم الحبيب المكرم .