إن أسلوب الحوار بين بعضهم ، واختيار الكلمات المعبّرة تلقي في النفس الشعور بالتثاقل من أثر النوم الطويل
كَمْ لَبِثْتُمْ ؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ . . .
إنّ تكرار حرف الثاء في هذا المشهد الذي يصف استيقاظهم لها إيحاءات مشعرة بهذا التثاقل ( بعثناهم ، كم لبثتم ، لبثنا ، بما لبثتم ، فابعثوا ) ثم عدم الوقوف طويلا عند البحث عن المدة التي استغرق نومهم فيها ، شأن المستيقظ من نوم ثقيل ، لا يستطيع تركيز فكره على شيء معين ، وإنّما يصرف ذهنه إلى الشيء الملحّ الذي يلاحقه وهو الشعور بالجوع والحاجة إلى تناول شيء من الطعام ، ولكن لا زاد معهم ، فليدبروا أمر نزول أحدهم إلى المدينة لشراء الطعام .
وبعد التوصية بأخذ الحيطة والحذر لئلا ينكشف أمرهم ، ويقعوا في قبضة زبانية الطاغية
وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً
، يسدل الستار على المشهد الثالث ، والمشاهدون يمسكون أنفاسهم وهم ينتظرون المفاجأة في طريقة التعرف على الفتى الذي يريد دخول المدينة على حين غفلة من أهلها .
ويترك للسامع والقارئ أن يتخيّل الصور والأشكال التي يمكن أن يتعرف بها أهل المدينة المؤمنين ، ومدى الدهشة من الفتى وزملائه من هذا الانقلاب الجذري الهائل ، فسبحان محوّل الأحوال ، لقد دالت دولة الظلم والطغيان وولت جحافل الكفر والضلال ، وأشرق على المدينة نور الإيمان .
أما الديار فإنها كديارهم * وأرى رجال الحي غير رجاله
فالناس غير الناس ، والحال غير الحال ، فالمؤمنون آمنون على عقائدهم ومعايشهم والرغبة في الخير سائدة بينهم .
ويمر المشهد الرابع كلمح البصر سرعة ووجازة ، فقد تم التعرف عليهم وتم العثور على بقيتهم ، وتتداركهم رحمة اللّه سبحانه وتعالى مرّة أخرى فتلحقهم