تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
و - في قصة يوسف عليه السلام استعمل التعبير القرآني كلمة
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
ولم يستعمل افترسه الذئب ، علما أن الشائع في الاستعمال إطلاق كلمة الافتراس على مثل هذا النوع ، وذلك للطيفة دقيقة وهي أن الافتراس من فعل السبع معناه القتل فحسب ، وأصل الفرس : دق العنق ، والقوم إنما ادّعوا على الذئب أنه أكله أكلا ، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه فلم يترك مفصلا ولا عظما . وذلك أنهم خافوا مطالبة أبيهم إيّاهم بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه فادّعوا فيه الأكل ليزيلوا عن أنفسهم المطالبة ، والفرس لا يعطي تمام هذا المعنى فلم يصلح على هذا أن يعبّر عنه إلا بأكل .

وبالإضافة إلى اختيار الكلمة المناسبة لأداء المعنى المعيّن فإن النظم القرآني يهتم بالإيقاع والانسجام في اللفظ والنغم :

فيؤتى بالكلمة وتوضع في مكان معيّن من العبارة بحيث لو تغيّر وضعها تقديما أو تأخيرا أو حذفا لاختل ذاك التناسق اللفظي وذاك الوزن الخاص . ففي قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
( 20 ) [ النجم : 19 - 20 ] . لو حذفت كلمة ( الأخرى ) لاختلّت الفاصلة ولتأثّر الإيقاع ، ولو قيل أفرأيتم اللات والعزى ومناة الأخرى بحذف كلمة ( الثالثة ) لاختل الوزن أيضا . وكذلك قوله تعالى :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
، فلو قيل ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ضيزى ، بحذف كلمة ( إذن ) لاختل الإيقاع المستقيم بكلمة ( إذن ) . فكأن هذه الكلمات والحروف موزونة بميزان شديد الحساسية تميله أخف الحركات والاهتزازات . ومن هنا يبدو لنا بجلاء سبب إطلاق العرب الأوائل في بداية نزول الوحي اسم الشعر على القرآن الكريم ، لأنهم لم يعهدوا هذه الحساسية وهذا الوزن وهذا النغم إلا في الشعر . ولكنهم عندما قاسوه على أوزان