تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
ولقد أبرز العلماء ميزات للأسلوب القرآني اختص بها من بين سائر الكلام ، فمن هذه الميزات :

أولا : المرونة والمطاوعة في التأويل :

نجد في الأسلوب القرآني مرونة في التأويل ومطاوعة على التقليب بحيث لا يدانيه أسلوب من الأساليب ، وهذه المرونة في التأويل لا تحتمل الآراء المتصادمة أو المتناقضة وإنما مرونة تجعله واسع الدلالة سعة المورد الذي تزدحم عليه الوفود ثم تصدر عنه وهي ريّانه راضية . فالأسلوب القرآني يشفي قلوب العامة ويكفي الخاصة ، فظاهره القريب يهدي الجماهير وسواد الناس ويملأ فراغ نفوسهم بالترغيب والترهيب والجمال الأخاذ في تعابيره ومشاهده ، وباطنه العميق يشبع نهم الفلاسفة إلى مزيد من الحكمة والفكر ، يحل العقد الكبرى عندهم من مبدأ الكون ومنتهاه ونظامه ودقة صنعه وإبداعه . وهذه المرونة من أسباب خلود القرآن فإن الأساليب العربية طوال أربعة عشر قرنا قد عراها كثير من التغيير والتلوين اللفظي والذهني ، ومع ذلك فإن القرآن بقي خالدا بأسلوبه المتميّز وبخصائصه الفريدة يتجدّد مع العصور وظل رائع الأثر على ترامي الأجيال إلى هذه الأيام وإلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . إن الأسلوب القرآني لم يستغلق فهمه على العرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم ولم يكن لهم إلا الفطرة السليمة الذوّاقة للجمال ، وفهمه وتفاعل معه من جاء بعد ذلك من أهل العلوم والأفكار ، وفهمه زعماء الفرق المختلفة على ضروب من التأويل ، وقد أثبتت العلوم الحديثة المتطوّرة كثيرا من حقائقه التي كانت مخفيّة عن السابقين ، وفي علم اللّه ما يكون من بعد . والمعهود من كلام الناس لا يحتمل كل ذلك ولا بعضه بل كلما كان