تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
يعبر عن ذلك بالطعام فهذه الكلمة إنما تصور شهوة الجوع وتنتقل بالفكر إلى المطبخ بكل ما فيه من ألوان الطعام وروائحه وأسبابه ، ولكن بما ذا يعبّر إذن ؟ وأين في اللغة الكلمة التي تؤدي معنى الطعام ولا تمس الصورة بأي تعكير أو تشويه ؟ لقد أبدع القرآن لذلك تعبيرا عجيبا رائعا حيث قال :
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً
[ يوسف : 31 ] . ( متكأ ) كلمة تصور من الطعام ذلك النوع الذي إنما يقدّم تفكّها وتبسطا وتجميلا للمجلس وتوفيرا لأسباب المتعة فيه ، حتى إن الشأن فيه أن يكون الإقبال عليه في حالة من الراحة والاتّكاء . ولعلها أدركت بغريزتها النسائية ما سيئول إليه أمرهن فاختارت هذا المتكأ مما يحتاج فيه إلى سكين
وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
. د - وأحيانا يكون الاختيار للكلمة في مكان دون أماكن ويستبدل به غيرها لسرّ لطيف بالرغم من كون الموضوع واحدا ، لكن الكلمة المختارة تعطي مدلولا خاصا لا يوفّيه حقّه إلا استعمال الكلمة القرآنية المختارة . فمثلا : جاءت الملائكة بالبشرى لزكريا عليه السلام بيحيى ، وأيضا جاءت بالبشرى للسيدة مريم العذراء بالمسيح عليه السلام . لكن وضع المبشّرين مختلف ، وتلقّي الخبر منهما يكون له رد فعل يغاير ما في نفس الآخر ، واستغراب كلّ منهما يكون لجانب أشد التصاقا بحاله ووضعه . قال زكريا عليه السلام عندما جاءته البشرى :
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
[ آل عمران : 40 ] . وقالت مريم عليها السلام عندما جاءتها البشرى :
قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
[ آل عمران : 47 ] . ورد في كلام زكريا عليه السلام لفظ الغلام وهو الموافق والمطابق لحاله لأنه رجل متزوج ومن شأن المتزوجين كما هي العادة أن يولد لهم ، ولكن الغريب في الأمر والمعجزة أن يولد له في هذه السن المتأخرة من حياته وامرأته عاقر فكانت الكلمة التي تؤدي الغرض ووجه الاستغراب هي كلمة ( غلام ) .
مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 139 | مصطفى مسلم