تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في إعجاز القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
أما مريم عليها السلام فالتعجب في جانب آخر إذ إنها عذراء ولم يمسسها بشر ولم تك بغيّا ، فالغرابة والمعجزة أن تلد وهي عذراء فكانت الكلمة المعبرة التي تؤدي المعنى بدقة وتوضح وجه الاستغراب لها هي كلمة ( ولد ) « 1 » . فسبحان الذي أحاط علمه بسر اللغة ومكنوناتها
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
. ه - ومن هذا القبيل استعمال كلمة ( قرية ) تارة واستعمال كلمة ( المدينة ) في موضع آخر في سورة الكهف . فعند ما كان الحديث عن بخل ولؤم السكان جاء التعبير بكلمة ( أهل قرية ) لأن مادة ( قرى ) تدل على الجمع ومن مستلزماته الإمساك والبخل ، بينما عندما جاء الحديث عن الغلامين والخوف من ضياع كنزهما جاء التعبير ب ( المدينة ) لأن زحمة المدينة وكثرة الوجوه الغريبة فيها أليق بإضاعة المساكين والضعفاء ، كما أن التحايل والغبن يكثر في المدن أكثر منها في القرى . وكل ذلك تجده في قوله تعالى :
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما . . .
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ . . .
[ الكهف : 77 ، 82 ] .
هامش
( 1 ) أما مجيء لفظة غلام في كلام السيدة مريم عليها السلام في قوله تعالى :قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا( 20 ) [ مريم : 19 ، 20 ] ، فهو من قبيل ترداد اللفظة التي سمعتها من المخاطب ، فشدة الاستغراب والدهشة تجعل السامع يردد نفس الكلمة التي سمعها كما في جواب القائل قالوا صف شيئا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصا ، فلما رأت مريم عليها السلام الملك في صورة البشر ودخل عليها وهي عارية للاغتسال في حجاب وعزلة عن الناس فتعوذت منه لأن ذلك ليس من شأن الأتقياء ، فلما أخبرها بالغلام ازداد استغرابها فرددت الكلمة المسموعةأَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ. بخلاف ما ورد في سورة آل عمران فلم يسبق استغرابها ذكر كلمة الغلام فانصب الاستغراب على الولادة وهي عذراء .