وبشأن سبب الاعجاز في القرآن الكريم ومصدره وما إذا كان قد جاء عن طريق صرف اللّه سبحانه للناس ومنعهم عن الإتيان بمثله حين استعدادهم وشروعهم في محاولة التحدي ، أم ان هذا الاعجاز قائم على خلاف ذلك أي نجده ساطعا وجليا في نفس القرآن وفي بلاغته وتشريعاته وعلومه وقصصه وأحكامه وصحة معانيه وسلامته من جميع العيوب . . الخ وان اللّه تعالى لا يصرف ولا يعيق أحدا ممن يقبل أو يسعى للتحدي .
لقد ذهب إلى الرأي الأول والمسمى « الصرفة » نفر قليل من الأدباء وأرباب الفكر منهم النظام « 5 » وعبادة بن سليمان وهشام الفوطي وهم في عالم الأرقام والحساب لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة . .
وقد كتب هؤلاء في سبيل الانتصار والدفاع عن فكرتهم وآرائهم في الصرفة ما يلي : انهم « لا يرون ان القرآن معجز لبلاغته أو فصاحته أو أي شيء آخر فيه حيث إن العرب وغيرهم قد كانوا قادرين ولا زالوا على أن يأتوا بمثله ، ولكن اللّه تعالى صرفهم وسيصرفهم ومنعهم من كل ذلك تصديقا منه لنبيه المرسل ( ص ) - فليس القرآن عندهم هو المعجز وانما المعجز عندهم هو صرف اللّه الناس عن الاتيان بمثله أو محاكاته » « 6 » أي ان المنع - لدى هؤلاء - هو المعجز . .
كما وأضاف هؤلاء في تأييد رأيهم ان اللّه تعالى « ما انزل القرآن
هامش
( 5 ) النظام هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هاني البصري شيخ المتكلمين وحجة المعتزلة ، وقد عاصر كل من الرشيد والمأمون ومات في خلافة المعتصم العباسي شابا وفي سنة 231 هجرية عن عمر 36 سنة ، ومن تلاميذه الجاحظ الأديب المعروف وإليه - النظام - تنسب المدرسة أو الفرقة النظامية وقد لقى هشام بن الحكم وأفاد منه كما وأخذ عن أبي هذيل العلاف ثم استقل عنه . .
( 6 ) تجديد ذكرى أبي العلاء - الدكتور طه حسين .