وقد قام عثمان بن عفان بدوره بمراجعة المصحف فالفاه كاملا وتاما فأمر بتوزيع نسخة واحدة منه على كل الأمصار الاسلامية وعلى النحو الذي أشرنا إليه في الفصل السابق .
ان مراجعة عثمان للمصحف ومراجعة زيد له من قبل ما هو إلا حرص منهما على عدم وقوع الاشتباه في المصحف أو حدوث زيادة أو نقصان فيه ، وبذا خرج المصحف العثماني عن اجماع ارتضاه كافة المسلمين في المشرق والمغرب حيث لا زيادة فيه من سورة ولا آية ولا كلمة ولا حرف ولا نقطة ، وقد أدرك هذه الحقيقة المستشرق المعروف السير وليم موير ، ورغم كونه من أشد خصوم الاسلام إلا أنه اعترف وقال : « والنتيجة التي تستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي ان مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقا فحسب ، بل كان كما تدل الوقائع عليه كاملا ، وان جامعيه لم يتعمدوا اغفال أي شيء من الوحي ، ونستطيع كذلك ان نؤيد - استنادا على أقوى الأدلة - ان كل آية من القرآن دقيقة كما تلاه محمد » « 4 » وأضاف السير موير بالحرف الواحد : « اذن فالقرآن الذي بين أيدينا هو نص مصحف عثمان لم يتغيّر ولم يتبدّل وليس في الأنباء القديمة أو الجديدة بالتصديق ما يلقي على عثمان أية شبهة بأنه قصد إلى تحريف القرآن لتأييد أغراضه حيث كان بمرأى ومنظر من كتاب الوحي وحملته وحفظته فهو لم يزل ولا يزال صورة مضبوطة كما جمعه زيد بن ثابت مع مزيد العناية في التوفيق بين الروايات السابقة له » « 5 » . .
لقد سبق ان أشرنا فيما مضى إلى أن المصحف العثماني كان خاليا من النقط والحركات ( الشكل ) لأن كل هذه لم تكن معروفة منذ خلق اللغة لأن الحاجة إليها حينئذ لم تكن ملحة ولا ضرورية نظرا لأن الناس في الأمصار كانوا يهتدون إلى النطق السليم ويميزون ويقرءون
هامش
( 4 ) حياة محمد - الدكتور محمد حسين هيكل .
( 5 ) الإسلام على ضوء التشيع - الشيخ حسين الخراساني .