تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لمحات من تاريخ القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
هذه المدن يقرأ القرآن الكريم فيقول له الآخر : كفرت بما تقول وتقرأ . . فكرّ عثمان بن عفان في الأمر مليا وقلّبه على كافة وجوهه ، ولما يمضي إلا أيام وليالي وهو في غمرة دراسة الموضوع وما يمكن اتخاذه من حلول جذرية لقطع دابر الفتنة والحفاظ على القرآن دون ان يتطرق إليه شيء من التحريف أو الزيادة أو النقصان « لا سيما وانه أدرك ان العرب لا يستمرون عربا على الاختلاط والفتوح وان الألسنة تنتقل واللغات تختلف فان أمن في عصره لم يدر ما يكون بعد عصره » « 3 » . أجل إذ هو في غمرة دراسة الموضوع وإذا بمعلومات وأنباء جديدة ومفزعة ترده وتطرق اسماعه وخلاصتها هو اختلاف المعلمين مع طلابهم من قلب المدينة المنورة نفسها وتطور هذا الاختلاف إلى نزاع وقتال مسلح شهرت فيه المدى واستعملت السكاكين . وعند البحث والتحقيق في الأمر ظهر له واضحا وتجلى « ان الدافع الرئيسي والأوحد في هذا النزاع هو قراءة القرآن وحرص كل فئة من أطراف النزاع على تصويب قراءتها وترجيحها على الأخرى » « 4 » . وبعد كل هذه الوقائع والأحداث المتتالية والتي استأثرت من عثمان ابن عفان كل تفكيره ووقته وطّد العزم على أمر هام - وقبل ان يستفحل الداء ويعز الدواء - وهو جمع الناس على مصحف واحد بلغة قريش وهي التي نزل بها القرآن مفصحا عن هذا بقولته الشهيرة : « أنتم عندي في المدينة مختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار كان أشد اختلافا وأكثر لحنا يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس اماما » . . ولهذا السبب سمّي مصحف عثمان بعد نسخه ب « « المصحف الامام » . .
هامش
( 3 ) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - مصطفى صادق الرافعي . ( 4 ) تاريخ القرآن - محمد طاهر الكردي .