عبد اللّه بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن :
هو أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن ، سماه ابن مسعود : ترجمان القرآن ، وكان يقول : نعم ترجمان القرآن ابن عباس .
تردد ابن عباس كثيرا على بيت النبوة ، إذ فيه خالته « ميمونة » زوج الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فكانت تؤنسه وتلاطفه ، وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ينظر إليه نظرة إعجاب ، وتوسم فيه الخير الكثير ، ودعا له بقوله :
« اللهم آته الحكمة » .
ودعا له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قائلا : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » .
ورآه جبريل عند الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فأوصاه به وقال : إنه كائن حبر هذه الأمة فاستوص به خيرا ، وقد نهل من مأدبة الرسول العلمية والخلقية ، فهو الذي قال له صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
يا غلام : « إني أعلمك كلمات ، احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف » « 1 » .
ولما توفي الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصل ابن عباس رحلة العلم ، فتتلمذ على كبار الصحابة ، فكان كثيرا ما يجلس على باب أحدهم وهو قائل - أي وقت القيلولة - فيتوسد رداءه - وتسفي عليه الريح التراب ، حتى يخرج الصحابي فيراه فيقول له :
يا ابن عم رسول اللّه : ما جاء بك ؟ ألا أرسلت إلي فآتيك ؟
فيجيب حبر الأمة : لا ، أنا أحق أن آتيك ، ثم يسأله عما يحتاج إليه من العلم .
وفي خلافة عمر بن الخطاب ظهر نبوغه الشديد فكان عمر يدنيه من مجلسه ، ويعده للمعضلات ، وإذا أشكلت عليه قضية دعاه ، فقال له : أنت لها ولأمثالها ، ثم يأخذ بقوله ، ولا يدعو لذلك أحدا « 2 » .
وأحب عمر فيه - مع علمه - جرأته رغم حداثة سنه . قال عمر يوما لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فيمن ترون نزلت هذه الآية :
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد والترمذي .
( 2 ) أسد الغابة ج 3 ص 193 .