ثم انتصبت طبقة بعدهم إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحاق الزجاج وأبي علي الفارسي ومكي بن أبي طالب وأبى العباس المهدوي ، وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيرا ما استدرك الناس عليهما « 1 » .
قال الجنابذي في ان علم القرآن بتمام مراتبه منحصر في محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأوصيائه الاثني عشر وليس لغيرهم الا بقدر مقامه :
قد مضى ان بطون القرآن وحقائقه كثيرة متعددة وان بطنه الاعلى وحقيقته العليا هو محمدية محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلوية علي عليه السّلام وهو مقام المشية التي هي فوق الإمكان ، وكل نبي ووصى كان لا يتجاوز مقامه الامكان سوى محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأوصيائه ، ومن لم يبلغ إلى مقام المشية لا يعلم ما فيه ولا يبين من ذلك المقام شيئا ؛ لان المفسر لا يتجاوز في تفسيره حد نفسه ، فكل من علم من القرآن شيئا أو فسر منه شيئا وان بلغ ما بلغ من المقامات لا يكون علمه وتفسيره بالنسبة إلى علم القرآن الا كقطرة من بحر محيط ؛ فان حقيقة القرآن التي هي حقيقة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلي عليه السّلام هي مقام الاطلاق الذي لا نهاية له ، والممكن وان كان اشرف الممكنات الذي هو العقل الكلى ، يكون محدودا ولا يتصور النسبة بين المحدود وغير المتناهى غير المحدود ، فعلم كل عالم ومفسر للقرآن بالنسبة إلى علم القرآن كقطرة إلى البحار ، ولما كان مقام محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلي عليه السّلام وأولاده المعصومين عليهم السّلام مقام المشية كان علم القرآن كله عندهم ، وكان علي عليه السّلام وهو من عنده علم الكتاب - كما في الآية - بإضافة العلم إلى الكتاب المفيد للاستغراق ، وكان آصف عليه السّلام هو الذي عنده علم من الكتاب ، وكان إبراهيم عليه السّلام ابتلاه ربه بكلمات معدودة لا بجملة الكلمات ، مع أنه كان أكمل الأنبياء بعد نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يؤمن باللّه وكلماته جميعا ، كما في قوله تعالى :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ
« 2 » : فان الكلمات جمع مضاف مفيد للاستغراق وليس المراد به الايمان الاجمالي والا لشاركه غيره فيه ، بل الايمان التفصيلي ، والايمان التفصيلي لا يكون الا بادراك المؤمن به
هامش
( 1 ) فتح البيان ج 1 ص 12 - 14 .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية 158 .