والثاني : ما يخصص العام من القصة ، أو مثل ذلك من وجوه صرف الكلام عن الظاهر فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها .
ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السالفين لا تذكر في الحديث إلا على سبيل القلة فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها ، كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إلا ما شاء اللّه تعالى . انتهى .
فإذن ، لا يخفى أن من وجوه التفسير معرفة القصص المجملة في غضون الآيات الكريمة ثم ما كان منها غير إسرائيلىّ كالذي جرى في عهده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أو أخبر عنه فهذا تكفّل ببيان المحدثون . وقد رووه بالأسانيد المتصلة . فلا مغمز فيه » « 1 » .
قال ابن عاشور في قصص القرآن :
« امتن اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
« 2 » فعلمنا من قوله أحسن ، أن القصص القرآنية لم تسق مساق الإحماض « 3 » وتجديد النشاط ، وما يحصل من استغراب مبلغ تلك الحوادث من خير أو شر ؛ لأن غرض القرآن أسمى وأعلى من هذا ، ولو كان من هذا لساوى كثيرا من قصص الأخبار الحسنة الصادقة فما كان جديرا بالتفضيل على كل جنس القصص .
والقصة : الخبر عن حادثة غائبة عن المخبر بها ، فليس ما في القرآن من ذكر الأحوال الحاضرة في زمن نزوله قصصا مثل ذكر وقائع المسلمين مع عدوهم . وجمع القصة قصص بكسر القاف ، وأما القصص بفتح القاف فاسم للخبر المقصوص ، وهو مصدر سمى به المفعول ، يقال قص على فلان إذا أخبره بخبر .
وأبصر أهل العلم أن ليس الغرض من سوقها قاصرا على حصول العبرة والموعظة مما تضمنته القصة من عواقب الخير أو الشر ، ولا على حصول التنويه بأصحاب تلك القصص في عناية اللّه بهم أو التشويه بأصحابها فيما لقوه من غضب اللّه عليهم كما تقف عنده أفهام القانعين بظواهر الأشياء وأوائلها ، بل الغرض من ذلك أسمى وأجل . إن في
هامش
( 1 ) محاسن التأويل ج 1 ص 40 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية 3 .
( 3 ) من أحمض القوم : أفاضوا فيما يؤنسهم .