تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
الفائدة الأولى : أن قصارى علم أهل الكتاب في ذلك العصر كان معرفة أخبار الأنبياء وأيامهم وأخبار من جاورهم من الأمم ، فكان اشتمال القرآن على تلك القصص التي لا يعلمها إلا الراسخون في العلم من أهل الكتاب تحديا عظيما لأهل الكتاب ، وتعجيزا لهم بقطع حجتهم على المسلمين ، قال تعالى
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا
« 1 » فكان حملة القرآن بذلك أحقّاء بأن يوصفوا بالعلم الذي وصفت به أحبار اليهود ، وبذلك انقطعت صفة الأمية عن المسلمين في نظر اليهود ، وانقطعت ألسنة المعرّضين بهم بأنهم أمة جاهلية ، وهذه فائدة لم يبينها من سلفنا من المفسرين . الفائدة الثانية أن من أدب الشريعة معرفة تاريخ سلفها في التشريع من الأنبياء بشرائعهم فكان اشتمال القرآن على قصص الأنبياء وأقوامهم تكليلا لهامة التشريع الإسلامي بذكر تاريخ المشرعين ، قال تعالى
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ
« 2 » الآية . وهذه فائدة من فتوحات اللّه لنا أيضا . وقد رأيت من أسلوب القرآن في هذا الغرض أنه لا يتعرض إلا إلى حال أصحاب القصة في رسوخ الإيمان وضعفه وفيما لذلك من أثر عناية إلهية أو خذلان . وفي هذا الأسلوب لا تجد في ذكر أصحاب هذه القصص بيان أنسابهم أو بلدانهم إذ العبرة فيما وراء ذلك من ضلالهم أو إيمانهم . وكذلك مواضع العبرة في قدرة اللّه تعالى في قصة أهل الكهف
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً
- إلى قوله -
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
« 3 » . الآيات فلم يذكر أنهم من أي قوم وفي أي عصر . وكذلك قوله فيها
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
« 4 » فلم يذكر أية مدينة هي لأن موضع العبرة هو انبعاثهم ووصول رسولهم إلى مدينة إلى قوله
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
« 5 » . الفائدة الثالثة : ما فيها من فائدة التاريخ من معرفة ترتب المسببات على أسبابها في
هامش
( 1 ) سورة هود : الآية 49 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 146 . ( 3 ) سورة الكهف : الآية 9 - 13 . ( 4 ) سورة الكهف : الآية 19 . ( 5 ) سورة الكهف : الآية 21 .