بالغة في تفسير القرآن وفهمه على الوجه الصحيح ؛ لأن أسباب النزول قرائن معبرة توضح غاية الحكم ، وتبين سبب التشريع ، وتعرف أسراره ومراميه ، وتساعد على فهم القرآن فهما دقيقا شاملا ، حتى وإن كانت العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب . ونرى في عالمنا القانوني اليوم ما يسمى بالمذكّرات التوضيحية للقوانين والأنظمة والأحكام ، يبين فيها أسباب إصدارها ، وأهدافها . ويؤكد ذلك أن كل نظام يظل في مستوى الأمور النظرية غير المقنعة كثيرا للناس ، ما لم يقترن بالمتطلبات الواقعية ، أو يرتبط بالحياة العملية .
وكل ما سبق يشير إلى أن شريعة القرآن ليست فوق مستوى الأحداث ، أو أنها سامية مثالية لا تقبل التطبيق ، وإنما هي متعاصرة مع كل زمن ، متفاعلة مع الواقع ، تصف العلاج الحاسم لكل داء عضال من أمراض المجتمع ، وشذوذات الأفراد وانحرافاتهم » « 1 » .
قال الصادقي في شؤون النزول :
« ان شؤون نزول الآيات وإن كانت تساعد على تفهّم معانيها أحيانا ولكنّها ليست شرطا في التعرّف إلى معاني آيها ، ولا أنها تحدّد معاني الآيات بمواردها ، فلو أن الآية ماتت بموت الشأن الذي نزلت فيه ، إذا لماتت الآيات كلها ، وإنما شؤون النزول مبرّرات وقتية لنزولها ، تماشيا مع كل حادث وحديث في نزولها ، فالآيات مستقلة في دلالاتها على معانيها ، عرفت شؤونها أم لا ، وانما تكمل دلالاتها رعاية قرائنها القرنية لها قبل أو بعد أو مع ، أم البعيدة عنها من نظائرها ، واما شؤون نزولها فلا شأن لها أصيلا في تفسيرها ، وإنما الشأن الأصيل هو شأن الآيات أنفسها دون شؤون سواها .
« ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات أولئك القوم ماتت الآية لما بقي من القرآن شيء ، ولكن القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السماوات والأرض ولكل قوم آية يتلونها هم منها من خير أو شر » « 2 » « 3 » .
هامش
( 1 ) المنير ج 1 ص 18 - 19 .
( 2 ) تفسير البرهان ج 1 ص 21 .
( 3 ) الفرقان ج 1 ص 50 .