إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلّون لمناة ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه عن ذلك فأنزل اللّه تعالى :
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما
« 1 » ا ه .
ومنها ما ينبه المفسر إلى إدراك خصوصيات بلاغية تتبع مقتضى المقامات ؛ فإن من أسباب النزول ما يعين على تصوير مقام الكلام ، كما سننبهك إليه في أثناء المقدمة العاشرة .
وقد تصفّحت أسباب النزول التي صحت أسانيدها فوجدتها خمسة أقسام :
الأول : هو المقصود من الآية يتوقف فهم المراد منها على علمه ، فلا بد من البحث عنه للمفسر وهذا منه تفسير مبهمات القرآن مثل قوله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
« 2 » ، ونحو :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
« 3 » ، ومثل بعض الآيات التي فيها
وَمِنَ النَّاسِ
.
والثاني : هو حوادث تسببت عليها تشريعات أحكام وصور تلك الحوادث لا تبيّن مجملا ولا تخالف مدلول الآية بوجه تخصيص أو تعميم أو تقييد ، ولكنها إذا ذكرت أمثالها وجدت مساوية لمدلولات الآيات النازلة عند حدوثها ، مثل حديث عويمر العجلاني الذي نزلت به آية اللعان ، ومثل حديث كعب بن عجرة الذي نزلت به آية :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ
« 4 » الآية ، فقد قال كعب بن عجرة : هي لي خاصة ولكم عامة ، ومثل قول أم سلمة رضي اللّه عنها للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يغزو الرجال ولا نغزو ، فنزل قوله تعالى :
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
« 5 » الآية . وهذا القسم لا يفيد البحث فيه إلا زيادة تفهم في معنى الآية وتمثيلا لحكمها ، ولا يخشى توهم تخصيص الحكم بتلك الحادثة ، إذ قد اتفق العلماء - أو كادوا - على أن سبب النزول في مثل هذا لا يخصص ، واتفقوا على أن أصل التشريع أن لا يكون خاصا .
والثالث : هو حوادث تكثر أمثالها تختص بشخص واحد فنزلت الآية لإعلانها وبيان
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 158 .
( 2 ) سورة المجادلة : الآية 1 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 104 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 196 .
( 5 ) سورة النساء : الآية 32 .