من تفاصيل المعاني وإظهار وجه الإعجاز ، ولذلك كان هذان العلمان يسميان في القديم « علم دلائل الإعجاز » ، قال في الكشاف : « علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه واجالة النظر فيه كل ذي علم ، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام ، والمتكلم وإن برز على أهل الدنيا في صناعة الكلام ، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه ، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه ، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ، ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق ، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علما البيان والمعاني ا ه » « 1 » .
وقال في تفسير سورة الزمر عند قوله تعالى :
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
« 2 » : « وكم من آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول ، قد ضيم وسيم الخسف ، بالتأويلات الغثة ، والوجوه الرثة ، لأن من تأولها ليس من هذا العلم في عير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلا منه من دبير » يريد به علم البيان .
وقال السكاكى في مقدمة القسم الثالث من كتاب المفتاح : « وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى وتقدس من كلامه مفتقر إلى هذين العلمين المعاني والبيان كل الافتقار ، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل » .
قال السيد الجرجاني في شرحه : « ولا شك أن خواص نظم القرآن أكثر من غيرها فلا بد لمن أراد الوقوف عليها ، إن لم يكن بليغا سليقة ، من هذين العلمين . وقد أصاب السكاكى بذكر الحكيم المحزّ ، أي أصاب المحز إذ خص بالذكر هذا الاسم من بين الأسماء الحسنى ، لأن كلام الحكيم يحتوى على مقاصد جليلة ومعاني غالية ، لا يحصل الاطلاع على جميعها أو معظمها إلا بعد التمرس بقواعد بلاغة الكلام المفرغة فيه ، وفي قوله ينبه إشارة إلى أن من حقه أن يكون معلوما ولكنه قد يغفل عنه ، وقوله : فالويل كل الويل تنفير ، لأن من لم يعرف هذين العلمين إذا شرع في تفسير القرآن واستخراج لطائفه أخطأ غالبا ، وإن أصاب نادرا كان مخطئا في إقدامه عليه ا ه » . وقوله : تمام مراد
هامش
( 1 ) ديباجة الكشاف .
( 2 ) سورة الزّمر : الآية 67 .