فهذه وجوه عشرة ، وربما أمكن إرجاع بعضها إلى بعض ، وكيف كان فهي وجوه خالية عن الدليل ، على أن بعضها ظاهر البطلان أو يظهر بطلانه بما تقدم في المباحث السابقة ، فلا نطيل بالتكرار .
وبالجملة فالمتحصل من الروايات والآيات التي يؤيدها كقوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
« 1 » الآية ، وقوله تعالى :
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
الآية « 3 » ، وقوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
« 4 » ، وقوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
« 5 » ، إلى غير ذلك أن النهى في الروايات إنما هو متوجه إلى الطريق وهو أن يسلك في تفسير كلامه تعالى الطريق المسلوك في تفسير كلام غيره من المخلوقين .
وليس اختلاف كلامه تعالى مع كلام غيره في نحو استعمال الألفاظ وسرد الجمل وإعمال الصناعات اللفظية ؛ فإنما هو كلام عربي روعي فيه جميع ما يراعى في كلام عربي وقد قال تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
« 6 » ، وقال تعالى :
وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
« 7 » ، وقال تعالى :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
« 8 » .
وإنما الاختلاف من جهة المراد والمصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الكلام .
توضيح ذلك : أنا من جهة تعلق وجودنا بالطبيعة الجسمانية وقطوننا المعجل في الدنيا المادية ألفنا من كل معنى مصداقه المادي ، واعتدنا بالأجسام والجسمانيات ، فإذا سمعنا كلام واحد من الناس الذين هم أمثالنا يحكي عن حال أمر من الأمور وفهمنا منه معناه حملناه على ما هو المعهود عندنا من المصداق والنظام الحاكم فيه ؛ لعلمنا بأنه لا يعني إلا ذلك لكونه مثلنا لا يشعر إلا بذلك ، وعند ذلك يعود النظام الحاكم في المصداق يحكم في المفهوم فربما خصص به العام أو عمم به الخاص أو تصرف في
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .
( 2 ) سورة الحجر : الآية 91 .
( 3 ) سورة فصّلت : الآية 40 .
( 4 ) سورة النساء : الآية 46 . وسورة المائدة : الآية 13 .
( 5 ) سورة الإسراء : الآية 36 .
( 6 ) سورة إبراهيم : الآية 4 .
( 7 ) سورة النحل : الآية 103 .
( 8 ) سورة الزخرف : الآية 3 .