المفهوم بأي تصرف آخر ؛ وهو الذي نسميه بتصرف القرائن العقلية غير اللفظية .
مثال ذلك : أنا إذا سمعنا عزيزا من أعزتنا ذا سؤدد وثروة يقول : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ، وتعقلنا مفهوم الكلام ومعاني مفرداته حكمنا في مرحلة التطبيق على المصداق : أن له أبنية محصورة حصينة تسع شيئا كثيرا من المظروفات ، فان الخزانة هكذا تتخذ إذا اتخذت ، وأن له فيها مقدارا وفرا من الذهب والفضة والورق والأثاث والزينة والسلاح ، فإن هذه الأمور هي التي يمكن أن تخزن عندنا وتحفظ حفظا ، وأما الأرض والسماء والبر والبحر والكوكب والإنسان فهي وإن كانت أشياء لكنها لا تخزن ولا تتراكم ، ولذلك نحكم بأن المراد من الشيء بعض من أفراده غير المحصورة ، وكذا من الخزائن قليل من كثير فقد عاد النظام الموجود في المصداق وهو أن كثيرا من الأشياء لا يخزن ، وأن ما يختزن منها إنما يختزن في بناء حصين مأمون عن الغيلة والغارة أوجب تقييدا عجيبا في إطلاق مفهوم الشيء والخزائن .
ثم إذا سمعنا اللّه تعالى ينزل على رسوله قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
« 1 » ، فإن لم ترق أذهاننا عن مستواها الساذج الأولي فسرنا كلامه بعين ما فسرنا به كلام الواحد من الناس مع أنه لا دليل لنا على ذلك البتة فهو تفسير بما نراه من غير علم .
وإن رقت أذهاننا عن ذلك قليلا ، وأذعنا بأنه تعالى لا يخزن المال وخاصة إذا سمعناه تعالى يقول في ذليل الآية :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
« 2 » ، ويقول أيضا :
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
« 3 » ، حكمنا بأن المراد بالشيء الرزق من الخبز والماء ، وأن المراد بنزوله نزول المطر ؛ لأنا لا نشعر بشيء ينزل من السماء غير المطر ، فاختزان كل شيء عند اللّه ثم نزوله بالقدر كناية عن اختزان المطر ونزوله لتهيئة المواد الغذائية . وهذا أيضا تفسير بما نراه من غير علم إذ لا مستند له إلا أنا لا نعلم شيئا ينزل من السماء غير المطر ، والذي بأيدينا هاهنا عدم العلم دون العلم بالعدم .
وإن تعالينا عن هذا المستوى أيضا واجتنبنا ما فيه من القول في القرآن بغير علم
هامش
( 1 ) سورة الحجر : الآية 21 .
( 2 ) سورة الحجر : الآية 21 .
( 3 ) سورة الجاثية : الآية 5 .