تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
تعالى بكلام الناس فإن قطعة من الكلام من أي متكلم إذا ورد علينا لم نلبث دون أن نعمل فيه القواعد المعمولة في كشف المراد الكلامي ونحكم بذلك : أنه أراد كذا كما نجري عليه في الأقارير والشهادات وغيرهما ، كل ذلك لكون بياننا مبنيا على ما نعلمه من اللغة ونعهده من مصاديق الكلمات حقيقة ومجازا . والبيان القرآني غير جار هذا المجرى على ما تقدم بيانه في الأبحاث السابقة ، بل هو كلام موصول بعضه ببعض في عين أنه مفصول ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض كما قاله علي عليه السّلام ، فلا يكفي بما يتحصل من آية واحدة بإعمال القواعد المقررة في العلوم المربوطة في انكشاف المعنى المراد منها دون أن يتعاهد جميع الآيات المناسبة لها ويجتهد في التدبر ، فيها كما يظهر من قوله تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » ، وقد مر بيانه في الكلام على الإيجاز وغيره . فالتفسير بالرأي المنهي عنه أمر راجع إلى طريق الكشف دون المكشوف وبعبارة أخرى إنما نهى عليه السّلام عن تفهم كلامه على نحو ما يتفهم به كلام غيره ، وإن كان هذا النحو من التفهم ربما صادف الواقع ، والدليل على ذلك قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الرواية الأخرى : « من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ » ، فإن الحكم بالخطإ مع فرض الإصابة ليس إلا لكون الخطأ في الطريق ، وكذا قوله عليه السّلام في حديث العياشي : « إن أصاب لم يؤجر » . ويؤيده ما كان عليه الأمر في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإن القرآن لم يكن مؤلفا بعد ولم يكن منه إلا سور أو آيات متفرقة في أيدي الناس فكان في تفسير كل قطعة قطعة منه خطر الوقوع في خلاف المراد . والمحصل : أن المنهي عنه إنما هو الاستقلال في تفسير القرآن واعتماد المفسر على نفسه من غير رجوع إلى غيره ، ولازمه وجوب الاستمداد من الغير بالرجوع اليه ، وهذا الغير لا محالة إما هو الكتاب أو السنة ، وكونه هو السنة ينافي القرآن ونفس السنة الآمرة بالرجوع اليه وعرض الأخبار عليه ، فلا يبقى للرجوع اليه والاستعداد منه في تفسير
هامش
( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 288 | مركز الثقافة والمعارف القرآنية