تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
ويتأوله على ما شغل به قلبه . ورأيت الشيخ محيي الدين يسمى هذا النوع سماعا ولقد أبدع . الثالث : عبر ومواعظ وشأن أهل النفوس اليقظى أن ينتفعوا من كل شئ ويأخذوا الحكمة حيث وجدوها فما ظنك بهم إذا قرءوا القرآن وتدبروه فاتعظوا بمواعظه ، فإذا أخذوا من قوله تعالى :
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا
« 1 » اقتبسوا أن القلب الذي لم يمتثل رسول المعارف العليا تكون عاقبته وبالا . ومن حكاياتهم في غير باب التفسير : أن بعضهم مر برجل يقول لآخر : هذا العود لا ثمرة فيه فلم يعد صالحا إلا للنار ، فجعل يبكى ويقول : إذن فالقلب غير المثمر لا يصلح إلا للنار . فنسبة الإشارة إلى لفظ القرآن مجازية لأنها إنما تشير لمن استعدت عقولهم وتدبرهم في حال من الأحوال الثلاثة ولا ينتفع بها غير أولئك ، فلما كانت آيات القرآن قد أنارت تدبرهم وأثارت اعتبارهم نسبوا تلك الإشارة للآية . فليست تلك الإشارة هي حق الدلالة اللفظية والاستعمالية حتى تكون من لوازم اللفظ وتوابعه كما قد تبين . وكل إشارة خرجت عن حد هذه الثلاثة الأحوال إلى ما عداها فهي تقترب إلى قول الباطنية رويدا رويدا إلى أن تبلغ عين مقالاتهم وقد بصرناكم بالحد الفارق بينهما ، فإذا رأيتم اختلاطه فحققوا مناطه ، وفي أيديكم فيصل الحق فدونكم اختراطه . وليس من الإشارة ما يعرف في الأصول بدلالة الإشارة فحوى الخطاب ، وفهم الاستغراق من لام التعريف في المقام الخطابي ، ودلالة التضمن والالتزام كما أخذ العلماء من تنبيهات القرآن استدلالا لمشروعية أشياء ، كاستدلالهم على مشروعية الوكالة من قوله تعالى
فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ
« 2 » ومشروعية الضمان من قوله :
وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ
« 3 » . ومشروعية القياس من قوله :
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
« 4 » ، ولا بما هو بالمعنى المجازى نحو :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ
« 5 » ،
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا
هامش
( 1 ) سورة المزمّل : الآية 16 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 19 . ( 3 ) سورة يوسف : الآية 72 . ( 4 ) سورة النساء : الآية 105 . ( 5 ) سورة سبأ : الآية 10 .