تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
ولكن أقول هو تنبيه عليه ، وفرق بين تغيير الظاهر وبين التنبيه على البواطن من ذكر الظواهر اه . فبهذه الدقيقة فارق نزعة الباطنية . ومثل هذا قريب من تفسير لفظ عام في آية بخاص من جزئياته كما وقع في كتاب المغازي من صحيح البخاري عن عمرو بن عطاء في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً
« 1 » قال هم كفار قريش ، ومحمد نعمة اللّه ، « وأحلوا قومهم دار البوار » قال : يوم بدر . وابن العربي في كتاب العواصم يرى إبطال هذه الإشارات كلها ، حتى أنه بعد أن ذكر نحلة الباطنية وذكر رسائل إخوان الصفاء أطلق القول في إبطال أن يكون للقرآن باطن غير ظاهره ، وحتى أنه بعد ما نوه بالثناء على الغزالي في تصديه للرد على الباطنية والفلاسفة قال : « وقد كان أبو حامد بدرا في ظلمة الليالي ، وعقدا في لبة المعالي ، حتى أوغل في التصوف ، وأكثر معهم التصرف ، فخرج عن الحقيقة ، وحاد في أكثر أقواله عن الطريقة اه » . وعندي أن هذه الإشارات لا تعدو واحدا من ثلاثة أنحاء : الأول ما كان يجرى فيه معنى الآية مجرى التمثيل لحال شبيه بذلك المعنى كما يقولون مثلا : « ومن أظلم ممن منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه » أنه إشارة للقلوب ؛ لأنها مواضع الخضوع للّه تعالى إذ بها يعرف فتسجد له القلوب بفناء النفوس . ومنعها من ذكره هو الحيلولة بينها وبين المعارف اللدنية ، وسعى في خرابها بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى ، فهذا يشبه ضرب المثل لحال من لا يزكى نفسه بالمعرفة ويمنع قلبه أن تدخله صفات الكمال الناشئة عنها بحال مانع المساجد أن يذكر فيها اسم اللّه ، وذكر الآية عند تلك الحالة كالنطق بلفظ المثل ، ومن هذا قولهم في حديث : « لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب » كما تقدم عن الغزالي . الثاني : ما كان من نحو التفاؤل فقد يكون للكلمة معنى يسبق من صورتها إلى السمع هو غير معناها المراد ، وذلك من باب انصراف ذهن السامع إلى ما هو المهم عنده والذي يجول في خاطره وهذا كمن قال في قوله تعالى :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
« 2 » من ذل ذي إشارة للنفس يصير من المقربين الشفعاء ، فهذا يأخذ صدى موقع الكلام في السمع
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : الآية 28 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 255 .