أصول الاعتقاد بأكثر من حصول الظن المستند إلى الأدلة والأدلة متنوعة على حسب أنواع المستند فيه . وأدلة فهم الكلام معروفة وقد بيناها .
أما الذين جمدوا على القول بأن تفسير القرآن يجب أن لا يعدو ما هو مأثور ، فهم رموا هذه الكلمة على عواهنها ولم يضبطوا مرادهم من المأثور عمن يؤثر ، فإن أرادوا به ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من تفسير بعض آيات إن كان مرويا بسند مقبول من صحيح أو حسن ، فإذا التزموا هذا الظن بهم فقد ضيقوا سعة معاني القرآن وينابيع ما يستنبط من علومه ، وناقضوا أنفسهم فيما دونوه من التفاسير ، وغلطوا سلفهم فيما تأولوه ، إذ لا ملجأ لهم من الاعتراف بأن أئمة المسلمين من الصحابة فمن بعدهم لم يقصروا أنفسهم على أن يرووا ما بلغهم من تفسير عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وقد سأل عمر بن الخطاب أهل العلم عن معاني آيات كثيرة ولم يشترط عليهم أن يرووا له ما بلغهم في تفسيرها عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وإن أرادوا بالمأثور ما روى عن النبي وعن الصحابة خاصة وهو ما يظهر من صنيع السيوطي في تفسيره الدر المنثور ، لم يتسع ذلك المضيق إلا قليلا ولم يغن عن أهل التفسير فتيلا ، لأن أكثر الصحابة لا يؤثر عنهم في التفسير إلا شئ قليل سوى ما يروى عن علي بن أبي طالب على ما فيه من صحيح وضعيف وموضوع ، وقد ثبت عنه أنه قال : « ما عندي مما ليس في كتاب اللّه شئ إلا فهما يؤتيه اللّه » . وما يروى عن ابن مسعود وعبد اللّه بن عمر وأنس وأبي هريرة . وأما ابن عباس فكان أكثر ما يروى عنه قولا برأيه على تفاوت بين رواته . وإن أرادوا بالمأثور ما كان مرويا قبل تدوين التفاسير . الأول مثل ما يروى عن أصحاب ابن عباس وأصحاب ابن مسعود ، فقد أخذوا يفتحون الباب من شقه ، ويقربون ما بعد من الشقة . إذ لا محيص لهم من الاعتراف بأن التابعين قالوا أقوالا في معاني القرآن لم يسندوها ولا ادعوا أنها محذوفة الأسانيد ، وقد اختلفت أقوالهم في معاني آيات كثيرة اختلافا ينبئ إنباء واضحا بأنهم إنما تأولوا تلك الآيات من أفهامهم كما يعلمه من له علم بأقوالهم ، وهي ثابتة في تفسير الطبري ونظرائه ، وقد التزم الطبري في تفسيره أن يقتصر على ما هو مروى عن الصحابة والتابعين ، لكنه لا يلبث في كل آية أن يتخطى ذلك إلى اختياره منها وترجيح بعضها على بعض بشواهد من كلام العرب ، وحسبه بذلك تجاوزا لما حدده من الاقتصار على التفسير
علوم القرآن عند المفسرين — صفحة 281
مساهمون: مركز الثقافة والمعارف القرآنية
ص٢٨١