وقال جلّ وعلا :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 1 » .
وقال :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 2 » .
فقد دلت الآية الأولى على أنه أنزل للتدبر ، وحثت الآيتان الأخريان على تدبره ، وتدبر القرآن بدون فهم معانيه غير ممكن ، وفهم معانيه إنما يكون بمعرفة تفسيره ، فالتفسير هو مفتاح هذه الكنوز والذخائر التي احتواها الكتاب العزيز النازل لإصلاح البشر وإنقاذ الناس ، وإعزاز العالم . وبدون التفسير لا يمكن الوصول إلى كنه هذه الكنوز والذخائر مهما بلغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن .
قال السيوطي رحمه اللّه في بيان الحاجة إلى التفسير : « القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب ، فكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه ، أما دقائق باطنه فلا تظهر لهم إلا بعد البحث والنظر وسؤالهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مثل قولهم : « وأيّنا لم يظلم نفسه » حينما نزل قوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ
« 3 » ففسره النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالشرك « 4 » ، واستدل بقوله سبحانه :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
« 5 » وكذلك حين قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من نوقش الحساب عذب » سألته عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها من قوله تعالى :
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
« 6 » فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ذلك العرض » « 7 » ، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض والخيط الأسود « 8 » . ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه بل نحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير لقصورنا
هامش
( 1 ) سورة ص الآية 29 .
( 2 ) سورة محمد : الآية 24 .
( 3 ) سورة الأنعام : الآية 82 .
( 4 ) أخرجه البخاري ج 1 ص 109 في كتاب الإيمان باب ظلم دون ظلم 32 ، 3360 ، 342 ، 3429 ، 4629 ، 4776 ، 6918 ، 6937 ، وأخرجه مسلم ج 1 ص 14 في كتاب الإيمان باب صدق الإيمان وإخلاصه 197 ، 124 .
( 5 ) سورة لقمان : الآية 13 .
( 6 ) سورة الانشقاق : الآية 8 ، 9 .
( 7 ) أخرجه البخاري ج 1 ص 196 - 197 في العلم باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه 103 ، وفي ج 11 ص 4001 في الرقائق باب من نوقش الحساب عذب 6536 ، 6937 ، ومسلم ج 4 ص 220 في الجنة باب إثبات الحساب 79 ، 2876 .
( 8 ) أخرجه البخاري ج 8 ص 31 في كتاب التفسير باب وكلوا واشربوا . . 4510 ، وأخرجه مسلم ج 2 ص 766 في كتاب الصيام باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر 33 ، 1090 .